ولقد يفقد الطفل في حياته العادية أحد أبويه أو كليهما فينشئ ذلك آثاره في نفس الطفل. ولكن هذه ضرورة لا حيلة فيها لأحد ولا يمكن تفاديها. أو قد يجيء طفل جديد -في البيئات المخصبة- قبل موعده المناسب، فيزحم أخاه في الفترة التي لا يقبل فيها المزاحمة. ولكن هذه قلة نادرة لا تؤثر في النسبة العامة، ومن الممكن تفاديها على أي حال.
أما في الحالات الطبيعية وهي الكثرة الغالبة، فإنا نجد نظام الأسرة يرتب الأوضاع بالنسبة للأطفال ترتيبًا محكمًا يدعو إلى العجب والدهشة، فإن الطفل ليولد فيتلقاه ثدي الأم منذ اللحظة الأولى باللبن، وهو الغذاء الطبيعية الأكمل، الذي لا يغني عنه شيء سواه. ولم يكن هذا اللبن هناك منذ هنيهة حيث لا حاجة له، ولا يتأخر -في الحالة السوية- هنيهة لأن ذلك يؤذي الوليد! ويتلقاه كذلك في نفس الأم شعور لا تقل حاجته إليه عن حاجة اللبن والغذاء، ذلك هو شعور العطف والحب والمودة.
ويجيء دور الأب متأخرًا بعض الشيء. ولكنه يجيء في موعده المطلوب بالنسبة للطفل. فهو في حاجة إلى أمه أولًا، ولفترة طويلة بعض الشيء. فإذا بدأ عالمه يكبر عن ثدي أمه، وملامح وجهها، والتصاقه بجسمها صاحيًا ونائمًا، بدأ يتطلع إلى وجه جديد. ويكون دور الأب هو اجتذابه للعالم الخارجي، وتوسيع أفقه، وتنمية جوانب القوة والمقدرة في جسمه ونفسه على السواء.
ويظل الطفل مدى العامين الأولين تقريبًا ملتصقاُ بأبويه، شاعرًا بلذته العظمى في امتلاكه لهما، بحيث"يُشغلهما"في إجابة مطالبه، سواء كانت غذاء أو مناغاة أو تدريبًا على المشي أو الكلام. وهو على العموم لا يشعر بالأمن النفسي والعاطفي إلا أن يكون على مقربة منهما، مطمئنًا إلى استجابتهما الدائمة لكل ما يحتاج إليه. ولكنه في أثناء هذين العامين يتعود بالتدريج على التحرر من الالتصاق الكامل بأبويه. فمن الناحية الغذائية يتطلب جسمه ألوانًا أخرى بالإضافة إلى اللبن، ويحتملها جهازه الهضمي كذلك. ومن الناحية النفسية يتسع عالمه عن محيط الأبوين، فيأنس إلى أشخاص آخرين، صغار وكبار، يغذي فيهم نزعته الاجتماعية، وإن كانوا لا يغنونه الغناء الكامل عن أبويه.
ثم يجيء دور الفطام من الثدي. وهي عملية شاقة جدًا على نفس الطفل، ولكنها كذلك ضرورية، لأن اللين لا يعود صالحًا لغذائه ونموه. ولأن جهازه الهضمي لا بد أن يمرن لاستققبال الأطوار القادمة من الحياة. والفطام النفسي كذلك ضرورة ولو أدى إلى بعض الانفعالات العنيفة. وليس معناه إقصاء الطفل عن حب أبويه أو إهماله كأنه غير موجود. فليس شيء أضر على كيانه من مثل هذا الإجراء. ولكن معناه تعويد الطفل رويدًا رويدًا أن يعتمد على نفسه وعلى العالم الخارجي، مع استمراره في تلقي العون والعطف من الأبوين. وبغير هذا لا تنضج نفسه، ولا تصلح عواطفه لاستقبال الأطوار القادمة من الحياة. ويظل طوال عمره طفلًا في مشاعره وأفكاره لا يصلح لموجهة الحياة. وذلك شأن الأطفال المدللين الذين لم تفطم نفوسهم في الموعد المناسب.
فإذا تم الفطام الجسمي والنفسي، وصار الطفل قادرًا على الاستغناء عن أبويه إلى حد ما، فعند ذلك فقط تتهيأ الأم في الحالات الطبيعية لمولود جديد. فيأتي في موعده المناسب، دون أن يزحم سابقه، إلا في الحالات النادرة التي لا تحسب في القياس. يأتي فيجد أبوين، أو أمًا على الأقل في مبدأ الأمر، مستعدة لاستقبال ومنحه ملكية كاملة، هي الشيء الذي يريده ولا يغنيه شيء آخر سواه.