الصفحة 133 من 162

فنحن إذن كلما تحضرنا زادت حاجتنا إلى الأسرة المستقرة من أجل تنشئة الأطفال، ولم تقل هذه الحاجة كما يزعم المنحلون والمستهترون. فالأسرة هي المجال الطبيعي الوحيد الذي نربي فيه عواطف الطفل -لا جسده فحسب- على أساس إنساني. وهي البيئة الوحيدة التي يمكن أن نزرع فيها عواطف الحب والرحمة والعطف والمودة في نفوس الأطفال، لنتمكن بعد ذلك من إنشاء مجتمع متعاون متعاطف تقوم علاقاته على الحب أكثر مما تقوم على الصراع.

وقد يكون الصراع من ضرورات الحياة. وهو ليس شرًا خالصًا في ذاته. فبدونه تترهل النفس وتنحط كما تترهل عضلات الجسد وتسترخي إذا لم تمرن على شيء من الحركات القوية العنيفة. ولكنه يصبح شرًا حين يسرف الإنسان فيه، وحين ينسى أنه وسيلة إلى غاية نبيلة، وليس غاية في ذاته. فلا بد إذن من إنبات هذه الغاية في نفس الطفل لتنمو معه في مراحل نموه المختلفة، وليظل على ذكر دائم بأنه يصارع من أجل هدف أسمى، فيمنعه ذلك من أن يعنف في الصراع إلى حد الاعتداء على حقوق الآخرين. وبغير هذه الوسيلة الوحيدة -وهي تربية الطفل في جو من الحب والرعاية الكاملين- لا يتسنى لنا أن نمنع الإسراف في شهوة الصراع، خاصة والحياة تغري به وتدفع إليه.

ويقولون: إن المحاضن قد قضت على هذا الهراء الذي تقوله من أساسه. إذ أمكن تربية الأطفال فيها على أسس علمية صحيحة تزري بكل ما يقدر عليه الأبوان الجاهلان. بل إن الأبوين الجاهلين أحرى أن يفسدا أطفالهما وينشئاهم على أسوأ صورة نفسية وفكرية، وجسدية أيضًا. ولكن المحاضن تتلافى هذا كله، وتنشى للمجتمع أطفالًا أصحاء من كل وجه.

وتلك أسطورة ضخمة، لا يكفي لتثبيتها كل ما تقوله الدعايات المغرية من هنا أو هناك. ففي وسع المحاضن أن تقدم للطفل غذاءه الصحيح، وتعنى به العناية الصحيحة الواجبة، فتزنه كل يوم وتسجل وزنه، وتعطيه حمامًا مناسبًا، وتختبر ذكاءه، وتمرن مواهبه العقلية، وتنظر في كل نقص في النمو فتعالجه في اللحظة المناسبة. وبالوسائل العلمية الصحيحة.

كل هذا ممكن. ولكن يبقى شيء أهم من ذلك كله، أو على الأقل يساويه في الأهمية. هو الحاجات النفسية للطفل، التي يستحيل على المحاضن أن يزوده بكفايته منها، ولو رغب في ذلك .. لأنها لا تتيسر إلا في الأسرة بوضعها الصحيح.

والذين يؤمنون، من علماء النفس، بأن النفس كلها تنبع من الجسد. والذين يؤمنون كذلك بأن الظروف المادية وحدها هي التي تنشئ المشاعر، أولئك قد لا تهمهم الحاجات النفسية التي لا تتصل مباشرة بالجسد، أو لا ترتبط بالظروف المادية الخالصة.

ولكنا قد أوضحنا في مبدأ هذا البحث كيف يغفل هؤلاء عن أهم الجوانب البشرية، فتجيء تفسيراتهم قاصرة مضللة.

وقد تحدثت"أنّا فرويد"في كتابها"أطفال بلا أسر"عن الخلل النفسي الذي يلازم تربية الأطفال في الملاجئ والمحاضن، وما ينتج عنه من اضطرابات عاطفية وانحرافات شاذة لا يملك العلم النفساني أن يقوّمها إلا بجهد جهيد. هذا إن استطاع.

إن الطفل يحس في الفترة الأولى من حياته بالحاجة إلى أبوين معًا، يشعر بأنه يملكهما ملكية كاملة لا ينازعه فيها أحد. وحين يجد من يزاحمه في هذه الملكلية، ولو كان أخاه الشقيق، إذا جاء مبكرًا عن موعد الفطام الجسدي والنفسي، تنفعل نفسه بانفعالات عنيفة، تصل أحيانًا إلى حد المرض العصبي أو النفساني، إذا لم يُتدارك الأمر بطريقة ما.

وفي الأسرة فقط يمكن أن يجد الطفل في الفترة الأولى من حياته أبوين كاملين، يملكهما تمام الملك، ولا يزاحمه فيهما أحد. بينما لا يستطيع المحضن أن يمده إلا بجزء صغير من أم -بحسب عدد الأطفال- قد يكون ربع أو عشر أم، أو جزءًا من عشرين أو ثلاثين. وقلما يمنحه جزءًا مماثلًا من أب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت