وتلك نتيجة طبيعية في حياة كل هدفها المتاع. فلن يوجد شخص واحد يجمع كل الصفات المرغوبة عند رفيقه. ولا بد أن تظهر المصادفة شخصًا آخر، يملك صفة جديدة، أو يبدو أكثر بريقًا لأنه جديد.
والحياة عادة ...
فإذا لم يتعود كل شخص من الجنسين أن يكتفي بواحد من الجنس الآخر، يطمئن إليه، ويلقي إليه بكل نفسه ومشاعره وأحاسيسه، كما يلقي إليه بجسده، فلن يجد السعادة في نظام الزواج الذي يفرض هذا التخصيص.
ثم تجارب الماضي ذاتها .. كيف يصدق أحد أنها تنتهي نهاية حاسمة بالزواج؟ إن كل تجربة تترك أثرها العميق -وخاصة في نفس المرأة- مهما نسيت من الظاهر. وهذه الآثار المختفية في اللاشعور توجه حياة الإنسان دون وعي منه، فتؤثر في سعادته ولو خيل إليه أنه يعيش بنفسه كلها في اللحظة الحاضرة. فما قيمة الحياة التي يحياها كل شخص مع شريكه بجسده، بينما عواطفه في الخارج تحوّم في الآفاق، بوعي أو بغير وعي، وتنبش في الماضي عن سعادة ضائعة، أو لهفة عارمة أو ذكرى حبيبة؟ وأي سعادة في تلك الحيرة الزائغة والعواطف الموزعة؟
إن الواقع التجريبي، لا الخيال النظري، هو الذي يهدم دعوى الإباحة المطلقة في إسعاد الناس وإراحة الأجسام والقلوب، ويثبت أن تلك الحياة المنطلقة الهائمة التي يحياها الغرب في الشارع، سواء حدث الزواج الرسمي أم لم يحدث، مفسدة للأعصاب مرهقة للنفوس. وقد يحسب بعض"الأذكياء"أن هذا يتنافى مع الواقع المحسوس وهو تقدم هذا الغرب في العلم والاختراع والاقتصاد والسياسة. ولكنا ندلهم من جانب آخر على انتشار الأمراض النفسية والعصبية إلى درجة مخيفة لم تبلغها الإنسانية في كل عهودها، بما في ذلك عهد الكهوف والغابات!
على أن الأسرة المستقرة ليست حاجة نفسية للرجل والمرأة فحسب، فهي كذلك ضرورة لازمة لإقامة الكيان النفسي للأطفال على أساس قويم.
ونبدأ بتقرير حقيقة نفسية ثابتة وهي أن إنجاب الأطفال شهوة لم ينج منها أحد في القديم أو الحديث. وقد تمر على الشباب الحديث فترة يحسب فيها -بدافع الأنانية وحب الراحة- أنه قد تخلص من شهوة النسل. أو قد تؤثر الأحوال الاقتصادية على هذه الرغبة فتقف في طريقها إلى حد ما. ولكن هذا الشباب تمر عليه فترة أخرى فيحس بالفراغ الهائل في نفسه وحياته كلها، فراغ لا تملؤه إلا صيحة طفل. ويشعر بالندم على ما ضيع من عمره خاويًا من نسل يمد من عمره القصير على ظهر الأرض، ويوهمه بالخلود!
وقد يجد الرجل أحيانًا عملًا أو فكرة يغرق فيها نفسه، ليسكت في ضميره هذا الهاتف الملح، والحنين الملهوف. ولكن المرأة .. ما أقصى حياتها وما أشقاها بغير طفل! إن الطفل جزء من المرأة حقًا ومجازًا. جزء من جسدها تحمله وتغذيه من دمائها، ثم من لبنها وهو خلاصة الدماء. وجزء كذلك من كيانها النفسي، بحيث تشعر أنها معطلة أو ناقصة أو عاجزة إذا لم تأت بنسل!
وما دام الإنسان يحب إنجاب الأطفال، فعليه إذن أن يهيئ لهم البيئة الصالحة للتربية والنماء. ولا أقل من ذلك. فالحيوان ذاته لا يترك أطفاله لأنفسهم حتى يطمئن إلى قدرتهم الكاملة على الاستقلال.
وأطفال الإنسان أحوج الأطفال جميعًا إلى الرعاية الدائمة لأمد طويل. فكلما ارتفع الحيوان في سلم الرقي، زادت وظائفه، واتسع مدى الأعمال التي يقوم بها، فكانت أطفاله في حاجة إلى فترة أطول للمرانة على هذه الوظائف والأعمال. حتى نصل إلى الإنسان، أرقى الكائنات (أو على الأقل هذا هو المفروض!) فنجد فترة الطفولة أطول منها لدى الحيوان. وكلما تحضرنا زادت الوظائف الجسدية والنفسية والعقلية، واتسع المجال لعدد لا ينتهي من الأعمال والمشاعر والأفكار، فصارت الأطفال أحوج من ذي قبل إلى زيادة الرعاية والاهتمام.