إن كل فرد من أحد الجنسين في حاجة إلى فرد من الجنس الآخر يلقي إليه نفسه كلها، مشاعرها وأفكارها. وينكشف له عن كل أسراره الدفينة. ويتجاوب معه ويتعاطف. ويجد منه حافزًا وعونًا لمواجهة الحياة وتبعاتها المختلفة. وإن الدنيا كلها لتتفتح لقلبين متحابين متآلفين، ولا تتفتح لقلب واحد، محروم من الحب والعطف، مقطوع عن الألفة الندية، ولو كان أكبر قلب لأعظم إنسان. بل هو لن يكون قلبًا كبيرًا، وهو محروم من هذا الغذاء الروحي الشفيف.
تلك وقائع قد يفتنّ الشعر في تصويرها في عالم المثل والأحلام. ولكنها بغير شعر ولا فن، وقائع"علمية"تشهد بصحتها الحياة كلها منذ فجرها إلى اليوم.
فالاستقرار العاطفي إذن حاجة نفسية للرجل والمرأة، لا يغني عنها كل متعة الجسد وكل حرية الاقتصاد. وهو لا يتحقق في هذا التيار الجارف الذي يسير فيه الغرب المجنون. لأنه لا يتحقق إلا في أسرة وبيت. وهم يقضون حياتهم في الشارع. مشردي النفوس. حائري القلوب. حتى المتزوجون منهم لا يصلون إلى الاستقرار المنشود.
وإن الدعاة المفتونين هنا في الشرق ليفتحون أفواههم كالببغاوات ليصيحوا بنا: انظروا إلى التقدم والرقي. إن الفتى والفتاة هناك يختار كل منهما رفيقه بعد تجربة"كاملة"يعرف فيها عنه كل شيء، حتى أدق الأشياء وأخفاها. حتى خصائص الرغبة الجنسية ومداها. وعند ذلك لا تكون هناك مفاجآت مزعجة. ويستقر المنزل كما ينبغي له أن يستقر.
ولا يملك الإنسان نفسه من السخرية بأولئك الحمقى المفتونين، وهو يرى نسبة الطلاق في أمريكا تزيد عنها في كل بلاد العالم، بما فيها مصر، أمة المتأخرين هواة الزواج والطلاق! فقد وصلت هذه النسبة إلى 40% في بعض الولايات الأمريكية، بينما هي في مصر لم تصل في أشد أوقاتها ارتفاعًا إلى هذه النسبة الفظيعة.
ولكنهم أولى بالسخرية والزراية حين يقولون لك: لا! إن الطلاق في أمريكا دليل تحضر ومدنية. ولكنه في مصر تأخر وهمجية! نعم لأن الطلاق الأمريكي"وارد الخارج"فهو إذن صناعة جيدة متقنة. أما الطلاق المصري فهو صناعة محلية رديئة!! إنه هناك طلاق الشادة، وهو هنا طلاق العبيد!
ثم ينشأ هذا الطلاق المبالغ فيه إلى هذا الحد المجنون؟
ينشأ من تلك الفوضى الجنسية التي لا تعرف الحدود. فالذي تعوّد، والتي تعوّدت، أن يعيشا في الشارع أو المنتدى أو الغابة، لن يجدا للحياة طعمًا في جو البيت الهادئ الرتيب، فيكن البيت ذاته هو المفاجأة المزعجة التي تعصف بالهناء المزعوم.
وأبلغ من ذلك في بيان السبب، أن الذي تعود أن يهفو لكل فتنة عابرة، والتي تعودت أن تندفع حيث تقودها عواطفها، بحثًا عن المتعة الخالصة، لن ينعما بالعيش في نظام الوحدانية المستقرة، بل يعاودهما الشوق إلى النزوات المتنقلة والأحضان المتجددة، وتكون الوحدانية ذاتها صدمة عنيفة لم تتهيأ لها نفوسهما من قبل؛ ولن يلبث كل منهما حتى يجد الفتنة التي اختار من أجلها رفيقه قد انطفأت وبردت بحكم الألفة والعادة. ولن يلبث حتى يجد فتنة جديدة قد ظهرت على الأفق في شخص فتاة أخرى أو فتى جديد. وما دام الهدف هو المتعة، فسوف يجد الزوج والزوجة أن مزاجهما لم يعد يتفق، وأن شهيتهما قد اتجهت إلى خارج البيت، فيحدث الطلاق لينطلق كل منهما إلى صيد جديد. وإلا حدثت الخيانة، إذا وقفت الحوائل القانونية دون رغبة الانفصال [1] .
(1) كتبت هذا ولم أكن قد اطلعت على كتاب"ول ديورانت"بعنوان"مباهج الفلسفة"فلما قرأته وجدت أنه يقول نفس الكلام عن المجتمع الأمريكي الذي كان يعيش فيه!