هذا"الحب"الذي انتهى إلى أن يكون شهوة ملهوفة، هو الذي يمارسه أبناء الغرب وبناته كل يوم. فهل سعدوا به حقًا؟ وهل يسعد الإنسان وهو دائمًا في مهب الريح، تتقاذفه كل هبة طائرة، أو دفعة هائمة؟ إن الإنسان حين يكشف نفسه لمهاب الفتنة بغير وقاية داخلية أو خارجية، يجد نفسه عرضة للاندفاع مع كل تيار أشد. فهو اليوم هنا، لأنه يرى أمامه إغراء قويًا يجذبه إليه فيحسب فيه إشباعًا لرغباته. ولكنه غدًا في مكان آخر، لأنه وجد فتنة أعنف، تبدو لنزوته الطارئة أكثر إغراء وأجدر بإشباع رغائبه. وهكذا هو كل حين في اتجاه جديد. فكيف يستمتع بالاستقرار العاطفي الذي تنشأ معه السعادة؟
أم يقولون إن السعادة هي في هذه اللهفة الدائمة التي لا تكاد تهدأ حتى تثور، والتي تبحث كل يوم عن وجهة جديدة؟ فليسأل كلّ نفسه: كيف يحس من عقابيل كل عاطفة لم تنته إلى الاستقرار المنشود؟ إن كل علاقة نفسية تنفصم هي جرح في القلب تنزف منه الدماء. وقد يجف الدم ويندمل الجرح، ولكنه هيهات أن يزول. ولن يكون قط عالمًا بالنفس ذلك الذي يقول: إن علاقة ما يمكن أن تنتهي دون أن تترك وراءها العقابيل في الشعور أو في اللاشعور، بحيث تظل موجودة أبدًا، ولو زالت كل ملابساتها من الوجود. فكيف بالذي يتلقى كل حين طعنة، وتنزف كل حين من قلبه الدماء؟
سيقولون إن هذه أوهام الشرق، الغارق في العاطفة، والذي يصنع الهالات من خياله حول الحقائق الجامدة التي لا تستحق الهالات.
إن الفتى والفتاة يلتقيان في الغرب دون أن يكون في بال أحدهما أنها علاقة دائمة. بل هو لقاء ساعة، يفرغ فيه كل منهما شحنته الدافقة. ثم يفترقان، لا قلوب ولا جراح.
وأنا أعيذ الإنسانية أن تهبط إلى هذا الحد الذي يرتفع عنه بعض الحيوان. ففي الحيوانات ألفة تعقد الروابط بين الأنثى والذكر؛ لا تنشأ من حاجة الجسد، فتلك متاحة على الدوام بين أي أنثى وذكر. ولكنها تنشأ من عوامل أخرى، فطرية حتى في نفوس الحيوان.
أفيحب الغرب المنحل أن يشهد على نفسه أنه هبط حتى عن مستوى الحمام، بل القرود، بل بعض أنواع الثعابين الغائرة في الجحور؟
إنني على سوء ظني بهذا الغرب الهابط المتحلل، لا أستطيع أن أصدق أنه في مجموعه قد هبط إلى هذا الدرك الأسفل من المشاعر. فحوادث الانتحار بين الشباب، والقلق النفسي والعصبي الذي يكابدونه، فيسعى بهم إلى عيادات الأطباء النفسانيين، كلها مظاهر على أن هذا النظام الفاسد المضطرب لا يلائم الفطرة السوية. فإذا اندفعت معه بفعل الإغراء الزائد عن الحد، فإن هذا الاندفاع لا يريحها ولا يسعدها، وإنما تنشأ عنه الاضطرابات العنيفة التي تطلب العلاج.
إن الرجل في حاجة إلى المرأة، والمرأة في حاجة إلى الرجل، لشيء آخر غير ضرورة الجسد ودفعة الغريزة. إن كلًا منهما ليجد عند الآخر وفي رحابه"مشاعر"نفسية: الألفة والحنان، والود، والتعاطف. مشاعر لا يجدها في أي مكان آخر. لا يجدها الرجل -كاملة- عند الرجل، ولا المرأة عند المرأة، إلا في حالات الشذوذ. وهذه المشاعر كلها لا تستقيم مع الطفرات الهائجة والتيارات المتحولة. لأنها بطبيعتها في حاجة إلى الزمن والاستقرار. كيف ينشأ الود بين عابري سبيل قد لا يلتقيان بعد ذلك أبدًا؟ وكيف تنشأ الألفة بين شخصين لا يلتقيان إلا كما تلتقي القطر المتقابلة على السكة الحديد، دقائق ثم يمضي كل منهما إلى سبيل؟
كلا! إن هذه المشاعر اللطيفة، النابعة من أعماق النفس، لا تجد منطلقها إلا في جو هادئ مستقر. وتظل -إذا لم تتحقق- تسبب جوعة نفسية دائمة، وحنينًا لاهفًا لا يستقر، ولو وجد الإنسان في كل متعة الجسد، وكل حرية الاقتصاد.