ولننظر نظرة علمية هادئة إلى فرد في أسرة، وفرد بلا أسرة، لنرى أيهما أكثر هدوءًا واطمئنانًا في آخر الشوط.
إن الفتى والفتاة اللذين أُطلقا من قيود الأخلاق، ووجدا كفايتهما الاقتصادية، ليبدوان في سعادة غامرة ومتعة لا حد لها، وهما ينطلقان كالحيوان الهائج، يشبعان نزوات الجسد حيثما شاءا وشاءت لهما الأهواء ... ولكن هذه السعادة الظاهرة لا تلبث أن تنكشف عن قلق نفسي شديد.
فقد بينا في الفقرة السابقة كيف ينتهي التكالب الشديد على اللذة، إلى سعار دائم لا يرتوي، ولا يشعر صاحبه بالراحة. لأن الذئب المسعور لا يلتذ بكل نهشة ينهشها من هنا أو هناك، وهو هائم كالمجنون، ولو كانت من أشهى طعام يحبه، كما يلتذ المخلوق السوي بالقدر المعقول، الذي يحصل عليه وهو هادئ مستقر الأعصاب. وهذا التكالب المسعور سمة دائمة من سمات الهيام الذي يقع فيه الفرد حين لا يصيخ إلى دافع الأسرة، فينطلق مع الشهوات بلا ضابط ولا حدود.
والأسرة هي الرقية الطبيعية التي تحمي الفرد من هذا السعار.
فهي أولًا تكسر من حدة الشهوة المجنونة، لأن الإنسان يزهد بفطرته من كل شيء يملكه! فإذا اطمأن الزوج والزوجة بعد فترة التعطش الأولى إلى أن كلًا منهما يملك الآخر في كل لحظة يريدها، لم يعد هناك دافع إلى التشهي العنيف والسعار الملهوف.
ولكن هذا ليس معناه أن تموت الشهوة أو تتلبد نهائيًا بالزواج، فلحكمة عليا جُعلت شهوة الجنس من الحدة والعنف بحيث لا تخمد طالما كانت المقدرة الصحية للفرد صالحة لأداء الغرض المطلوب، وذلك لكي يستمر النسل، وتستمر الحياة على ظهر الأرض، لا يوقفها شِبَع الارتواء ولا زهادة الزاهدين.
بل إن هذه الشهوة في حالتها السوية ليست في حاجة إلى استثارة نفسية [1] ، فهي دائمًا سهلة الاستجاشة عند أول طرقة، ولكنها في حاجة دائمة إلى ملطفات تكبح جماحها، لكيلا تكون عذابًا مستمرًا لصاحبها، يفقده هناءة العيش. وذلك ما يحققه الزواج.
والأسرة كذلك بمشاغلها الخاصة، ومطالبها الدائمة، وعلى الأخص حين يكثر الأولاد ويحتاجون لمزيد من الرعاية، تصرف النفس عن الشهوة الملحة، وتقف بها عند الحد المعقول الذي لا يرهق الجسم ولا يكلفه شططا.
فمن ناحية الغريزة الجنسية ذاتها تجد الأسرة هي المنظم الطبيعي لانطلاق الشهوة، بالصورة التي تمنع دمار الجسد وعذاب اللهفة الدائمة، وتمنح الفرد السوي في الوقت ذاته نصيبًا معقولًا من المتعة الجسدية، ينتهي به إلى الرضا والارتواء.
ولكن الأسرة لا ترضي جانب الجسد وحده. فهذا الفتى الهائم والفتاة الهائمة لا ينعمان بالسعادة النفسية كذلك. وقد يبدو للحالمين والحالمات من أهل الشرق ومن أهل الفن، أن ما يسمونه"الحب"ويطلقون حوله الهالات الساحرة والظلال الفاتنة، هو السعادة العظمى التي لا يعدلها في الحياة شيء. وإنه لكذلك، حين يكون مرحلة طبيعية تمر بها النفس، ل تتهيأ لاستقبال رفيق الحياة. ولكنه ليس كذلك حين يصير شاغل حياة. وإني أُطمئن الحالمين والحالمات أن الحب في الغرب المنحل لم يصبح ذلك النور الإلهي الشفيف، ولا النشوة الروحية المرفرفة التي قد يقرءون عنها في كتب الفن، والتي عرفتها الإنسانية ذات يوم في لحظات ارتفاعها وتطهرها، بل صار كله نشوة جسد ونزوة غريزة، ولم يعد يستحق من الوجهة النفسية أو الوجهة النفسية الخالصة أن يُحرص عليه. فلننظر إليه إذن في واقعه الموجود، لا في مثاله المنشود.
(1) على العكس من ذلك قد تحتاج إلى منشطات جسدية، لتجاري التطلع النفسي، حين يهمد الجسم من الإسراف.