وإذا كان الذي يملك وسائل الإنتاج هو الذي يملك ويحكم ويشرّع، فقد ابتدع الرجل"أخلاقًا"تحيط الأسرة بالقداسة الكاذبة، ليضمن أن تظل المرأة في خدمته وحده، ولا تعرض نفسها لكل طامع غيره من الرجال!
وجاء الدين -ولعله كذلك من اختراع الرجل! - فزاد في تلك الهالات الكاذبة التي تحبس المرأة في نطاق رجل واحد، ولا تبيح لها الخروج على هذا النطاق!
ولكن العالم اليوم قد تغير: وخرجت المرأة نهائيًا من أسر الرجل، لأنها صارت تعمل، وأصبحت عنصرًا إيجابيًا في عالم الاقتصاد. إذن لقد تحررت. ولم تعد منذ الآن مستعبدة للرجل، وللأنانية الكريهة التي ابتدعها وسماها الأسرة! لقد أصبحت حرة .. حرة تهب جسدها لمن تشاء. لا لرجل واحد معين كما كانت تفعل من قبل تحت ضغط الضرورة الاقتصادية. فإذا اشتهت أن تكون الليلة في أحضان هذا الفتى الذي يعجبها ويملك عليها مشاعرها، ثم تكون في الليلة القادمة في أحضان رجل آخر، وجدته مصادفة في العمل أو في الطريق، ورأت أنه أقوى عضلًا، أو أكثر شبهًا بكلارك جبيل، فليس لأحد أن يقول لها: لا تفعلي. فقد بطلت البربرية الأولى، وصارت المرأة تكسب عيشها وتنفق على نفسها. ولتذهب إلى الجحيم كل دعاوى الدين والأخلاق والتقاليد. فالأخلاق مسألة اقتصادية! وكل نظام اقتصادي ينشئ الأخلاق الصالحة له. والآن وقد تغيرت النظم الاقتصادية، سواء في الغرب الرأسمالي أو روسيا الشيوعية، فقد نشأت"أخلاق"جديدة، تتفق مع الحرية الاقتصادية للمرأة، فتمنحها كذلك حرية الدعارة، باسم الحرية الشخصية، وتحقيق الكيان الذاتي!
تلك أهم الأفكار الحديثة بشأن الأسرة. وهي على ما بينها من اختلاف تتفق على أمر واحد، هو أن الأسرة ليست شيئًا من طبائع البشر، ولا أصلًا من الأصول الإنسانية. وأن بقاءها فترات متطاولة من تاريخ البشرية ليست حجة لدوام بقائها في المستقبل، إذا اقتضت الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أن تهدمها من أساسها، وتنشى مجتمعًا غير أسَري!
وهذه النظريات العلمية تغفل أهم الحقائق العلمية! وهي أن الأسرة حاجة نفسية بصرف النظر عن دفعة الجنس أو رغبة المجتمع أو حاجات الاقتصاد. وأنها -وهي تشمل عنصر الغريزة وعنصر الاقتصاد، وتخضع لتطورات المجتمع- تضيف إلى كل ذلك"مشاعر"أخرى لا تتصل بهذا وذاك!
والنظرة العلمية الصحيحة، التي لا تغالي في تقدير عنصر من مقومات الحياة البشرية على حساب سائر العناصر، تدرك أن هذه الحياة أوسع من أن تنحصر في"ضرورات"المجتمع أو"ضرورات"الاقتصاد، لأن هذا وذاك رافدان من روافدها الكثيرة المتعددة. وهي تشملهما معًا، ولكنها لا تقف عند أحدهما ولا عند كليهما، وترتفع عن عالم"الضرورة"كله إلى آفاق أخرى أوسع وأشمل، وأجدر بتحقيق كيان"الإنسان".
وما دامت الأسرة نتاجًا بشريًا، فهي ككل نتاج بشري آخر، صادرة من النفس في مجموعها، ومتأثرة بكل عناصرها. ولا شك أن تغير النظم الاقتصادية، وتطور الغريزة الجنسية مع تطور المجتمع، يتحكمان في تكييف الشكل الذي تقوم عليه الأسرة، وتكييف الروابط التي تقوم بين أعضائها. ولكن الأسرة من حيث المبدأ أعمق بكثير في نفس الفرد من دوافع الجسد وضرورات الاقتصاد. فقد يقضي الفرد -رجلًا كان أو امرأة- حاجته هذه وتلك، ويخيل إليه في فترة من فترات عمره أنه قد استغنى نهائيًا عن الأسرة وروابطها. ولكن حنينًا خفيًا موغلًا في أعماق نفسه، ينتبه في النهاية فيدفع به إلى طلب الأسرة، حيث يجد الاستقرار النفسي الذي لا يجده في أي مكان آخر. والذي هو في ذاته مطلب من مطالب النفس، لا تستقيم بدونه الحياة.