الصفحة 127 من 162

ونرتقي إلى أفق آخر، وإن كنا بعد لا نمس حديث الأخلاق، بل نتحدث عن الأسرة من حيث هي حاجة نفسية للرجل والمرأة على السواء.

وقد كانت"الحضارة!"الغربية الحديثة بما تقوم عليه من أسس مادية خالصة، وما نتج عنها من تفسيرات قاصرة للنفس والحياة، كالتفسير الاقتصادي للتاريخ، والتفسير الجثماني للمشاعر، والتفسير الجنسي للسلوك ... كل ذلك كان سببًا في زلزلة كيان الإنسانية، وتشكيكها في كل مقدساتها، وتصويرها في صورة هابطة منفرة. وشملت الزلزلة فيما شملته فكرة الأسرة، وما يقوم بين أفرادها من عواطف وارتباطات.

والواقع أن الثورة الصناعية كانت حدثًا ضخمًا في التاريخ الحديث. وكان تشغيل النساء والأطفال أكبر ضربة أصابت الأسرة في صميمها، وفككت روابطها، وجعلت البيت أشبه بفندق يأوي إليه أفراد الأسرة بعد عملهم الشاق في المصانع، ليجدوا المسكن والمأكل والمشرب، ولكنهم لا يبحثون عن"العواطف"الآدمية، وهم معجلون عنها في زحمة الصراع!

وبدلًا من تصحيح الأوضاع، وإعادة الإنسانية إلى طريقها السوي الذي يليق بكرامة الإنسان، لج الغرب في غيّه، مبهورًا بقوة الآلة وضخامة الإنتاج، وراح يبتدع نظريات -علمية! - تثبت الأوضاع القائمة، وتبرر قيامها واستمرارها، باسم العلم والبحث والتمحيص!

وقد أدى"العلماء"مهمتهم في تلويث البشرية بحماسة شديدة، كأنما هم موكلون بذلك من لدن قوة جبارة، تنفخ في مشاعرهم وتأجرهم على ما يأفكون! قوة اللذة البهيمية، أو قوة الشيطان!

من هذه النظريات -العلمية- نظرية تقول بأن الأسرة مسألة اجتماعية، لا تنشأ من دوافع طبيعية، ولا ميول فردية! وإنما هي من صنع"العقل الجمعي". هو الذي ابتدعها وهي دائمًا تحت سلطانه، سواء في تطور نظمها، أو فيما تقوم به من تبعات!

والذين يقولون بذلك، هم الذين يفرقون بين كيان المجتمع وبين الأفراد المكونين لهذا المجتمع، بحيث يعتقدون أن هذا"العقل الجمعي"كائن منفصل تمام الانفصال عن وجود الأفراد! ويستدلون على ذلك بأن المجتمع يقسر الأفراد أحيانًا على غير ما تتجه إليه غرائزهم أو ميولهم الفطرية [1] .

وقد سبق أن رأينا في فصل"الفرد والمجتمع"أن خضوع الإنسان لنزعته الجماعية على حساب نزعاته الفردية أحيانًا، لا يعني أن المجتمع منفصل عن كيان الأفراد، وإنما يعني فقط أن الفرد يُغلّب إحدى نزعتيه على الأخرى، لأنه يرى في ذلك مصلحة لا يستطيع تحقيقها وهو فرد بمفرده.

ولكن الذي يعنينا هنا أن هذه النظرية توحي لمعتنقيها بأن الأسرة ليست أصلًا ثابتًا من أصول الإنسانية، بحيث لا تقوم هذه الإنسانية بدونه، وإنما هي شيء تحت تصرف المجتمع، إن شاء أبقاها وإن شاء أزالها من الوجود، دون أن يكون لأحد أن يعترض، أو يقول إن المجتمع قد أخطأ أو انحف عن سواء السبيل!

وإذا عنّ للمجتمع الحديث أن يعود إلى حالة الفوضى الجنسية السابقة للتاريخ، فهو وشأنه، لا معقب لكلماته! لأنه لا يُسأل عما يفعل، ولكن الأفراد يسألون!

ولعل أهم هذه النظريات وأخطرها كذلك في نفس الوقت، تلك النظرية القائلة بأن الأسرة بوضعها الذي استقرت عليه فترة طويلة من التاريخ كانت ضرورة اقتصادية!

فمنذ أصبح الرجل هو المالك الوحيد لوسائل الإنتاج -بعد فترة من تكوّن البيئة الزراعية- وصارت المرأة تعتمد عليه اعتمادًا كاملًا في أمر إعالتها، اضطرت أن تخضع لأنانيته الجائرة، التي تلزمها بأن تكون له وحده، ولا تكون لجميع الرجال على السواء!

(1) ناقشت هذه الفكرة فيما بعد في فصل"اليهود الثلاثة"من كتاب"التطور والثبات"في حياة البشرية، عند الحديث عن دركايم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت