ولكن الحياة البشرية، تمشيًا مع سنة التطور والارتقاء، لم تشأ أن تقف عند هذا الحد البدائي الضئيل، ففيها دائمًا تلك النزعة الفطرية إلى"تحسين"الوسائل. ومن ثم نشأت عن الجنس مشاعر وعواطف، تنبع من الغريزة، ولكنها تأخذ صورة متطورة مترفعة. وكان من ذلك الفنون المختلفة، بل الحضارة كلها في أوسع نطاق.
ومع ذلك فلنجعل كلامنا -مؤقتًا- في نطاق الغريزة ذاتها، وفي أضيق حدودها. في صورتها الجسدية البحتة، وما يصاحبها من مشاعر ملاصقة.
لقد ثبت من التجربة العملية أن كثرة الغذاء لا تطفئ الغريزة، بل تزيدها اشتعالًا، حتى تصل بها إلى السعار المجنون. وتلك هي النتيجة المنطقية التي تتفق مع الآراء النظرية. ولكنا نستمد شواهدها التجريبية من الحياة الأمريكية.
فلو أن الاطمئنان إلى إباحة العمل الجنسي، وسهولة الحصول عليه من أقرب طريق، كان يؤدي إلى تهذيب الغريزة وانطفاء ثورتها الجامحة، ما رأينا تلك المظاهر التي لا توجد بهذه الدرجة الفظيعة إلا مع الحرمان الشديد، والجوع المستبد.
فلم يقل أحد ممن شهدوا الحياة الأمريكية عن قرب وامتزجوا بها، إن الفتى والفتاةحين يلتقيان، يلجآن إلى شيء من الغزل الذي تلجأ إليه بعض الحيوانات ذاتها قبل نزوة الأجساد، بل يقولون جميعًا إنهم يلتقون، شبانًا وشابات، وفي عيونهم اللهفة الواضحة والنداء المكشوف؛ كل منهما يقول بحركاته ونظراته: أن هلم، أسرع إلى العمل الأخير.
وهذا وحده دليل على أن شيئًا من التهذيب لم يلحق هذه الغريزة بالإباحة الكاملة المطلقة. وهم يقولون لك إننا على عجل. ولا وقت لدينا ننفقه في الغزل. كما أننا قوم عمليون نهدف إلى الغاية المباشرة دون إبطاء -وقد يُعجب بعض المفتونين بهذه السفسطة التي تخفي وراءها نزوة الحيوان الهائج، الذي لا يصبر حتى على المداعبة التي تهيئ النفوس لتلقي نشوة الأجساد.
ففيم هم معجلون؟ وما هذا الشغل الشاغل الذي لا يجد دقائق قليلة يكسب فيها متعة نفسية مع الشهوة البهيمية؟ إنهم يجرون إلى نواديهم الليلية ليلعبوا القمار، أو يشهدون السينما، أو حلقات المصارعة الوحشية .. الخ. وكل هذه كانت تستطيع أن تصبر بضع دقائق، لو وجدت الرغبة في النفوس.
فهي الحيوانية الجامحة التي لم تشبع بالانطلاق المجنون.
ولكنا لا نكتفي بهذا الشاهد وهو صريح الدلالة على ما نريد. فما تلك الصور العارية التي تملأ السينما والصحف والمجلات والإعلانات، والشوارع والمنازل والنوادي والأحراج؟! وما هذا الإقبال النهم من الفتيان والفتيات على هذه الصور العاريات؟ أنا أفهم أن يكب عليها الشرق"المحروم"كما يزعمون، ليروي في الخيال ما لا يجده في الواقع. ولكن هؤلاء المرتوون ما بالهم؟ ولماذا يستهلكون كل هذا الوقت والجهد في رؤية الصور العارية، لا حيث تقابلهم مصادفة فحسب، بل في أماكن خاصة يسعون إليها سعيًا، أقيمت فيها أجهزة سينمائية صغيرة يراها مشاهد واحد في الوقت الواحد، كصندوق الدنيا عندنا، فيضع في ثقب معين قطعة معينة، فيدور أمام عينه شريط عار على مختلف الأوضاع. وتلك المجموعات من الصور للممثلات والراقصات، في أوضاع مغرية مثيرة، لماذا تباع منها الألوف والملايين، لقوم لا يشعرون بلذعة الجوع الكافر والحرمان المسعور؟
إن الغريزة إذن لم تنطفئ ولم تتهذب، وإنما اشتعل أوارها، وزادت لهفة مع الانطلاق المجنون [1] !
(1) هناك ظاهرة أخرى منتشرة في كل من فرنسا وأمريكا اللتين أباحتا الحرية الجنسية إلى آخر الحدود. وهي ظاهرة الشذوذ الجنسي. وهي عجيبة في مجتمع يبيح اللقاء بين الجنسين، ويسهل الاتصال الكامل بينهما. ولكن يبدو أن هذه الإباحة الكاملة تؤدي إلى الشذوذ كلون من التغيير!