حين ينزو كلب على أنثاه، هل تكون هناك أخلاق؟ هل تتدخل المشاعر؟ هل يجوز أن نقول إن هذا الكلب أنبل من ذلك أو أحط منه في هذا الأمر بالذات؟ كلا. كلا! وأنتم أيها البشر كالكلاب سواء بسواء. فإذا اشتعلت شهوة الجنس في أجسادكم فلماذا تقفون هكذا مترددين؟ أوَ يتردد أسلافكم من الحيوان؟ أو يحسون بذلك الخجل المصطنع الذي يقعد بكم عن العمل؟ هلموا. فليتقدم كل ذكر فيختار الأنثى التي تعجبه. فإذا تأخر أو تلكأ فهلمي أنت أيتها الأمريكية الفارهة فهزيه من جموده، وأثيري شهيته المتخاذلة. وانطلقا. فإن لم تكن الشوارع تناسبكم لأن حركة المرور تقلق متعتكم، فلا بأس بالغابات والأحراج، وشواطئ الأنهار والبحيرات. هنالك كان أجدادكم لا يجدون حرجًا في أنفسهم. فعودوا مثلهم إلى لحرية والانطلاق، وتخففوا من قيود الإنسانية السخيفة!
عظيم! ولن نتقدم إليكم باعتراض. ولكنا نسايركم إلى آخر الشوط لنرى كيف تفعلون.
حين انطلق الغرب إلى هذا العبث، كان خارجًا من قيود المسيحية الكنسية المتزمتة، التي تكبت النوازع الفطرية، وتغلها عن الانطلاق حتى في الخير المأمون. وما أريد أن أبالغ في سوء الظن. فلعلهم حسبوا مخلصين أن هذا الانطلاق هو الحل الحقيقي لمشكلة الجنس الجامحة، التي تزداد تعقدًا كلما ازدادت المدنية الغربية"رقيًا"على طريقتها المادية الخالصة.
وتربى جيل من البشرية على طريقة جديدة، تمنع الكبت من المشاعر بإطلاق الحرية إلى أبعد الحدود. وصار الفتى أو الفتاة حين ينطلقان مع شهوة الجسد، لا يحس كل منهما أنه قد أتى منكرًا يحاسبه عليه أحد: لا ضميره، ولا المجتمع، ولا الدولة، ولا الدين:
واستمتع الناس ...
وانتظر العالم أن تحدث المعجزة المرجوة، فتشبع الغريزة الجائعة، وتستقر الأجساد الهائجة، وتستقر تبعًا لذلك كل أوضاع المجتمع، وشئون الحياة.
فهل حدثت المعجزة حقًا؟
فلنترك جانبًا كل ما تقوله الدعاية المغرضة من هنا أو هناك. ولنأخذ أحكامنا من الواقع الذي نراه. ولنختر أمريكا موضوعًا للدراسة. وذلك لعدة أسباب: فهي التي وصلت في الإباحة إلى أقصى المدى، على أسس علمية تجريبية! كما أنها أشد الأمم اهتمامًابالإحصاءات في كل أمر من أمور حياتها، ومن بينها شئون الجنس. وهي أخيرًا القبلة التي تتجه إليها عيون الزائغين والزائغات من أبناء الشرق المضطرب المفتون [1] .
ظنت الجماهير، وتابعها العلماء، أن إباحة العمل تطفئ الغريزة. ونسوا أن الغريزة من شأنها ألا تشبع، مهما قدم لها من الغذاء. ولحكمة عليا قد فطرت الغرائز هذه الفطرة. فلو أنها كانت تشبع أو تقنع بكثرة الغذاء، لجاءت عليها لحظة تتوقف عن العمل إلى الأبد، اكتفاء بما حصلت عليه. وعندئذ تقف دورة الحياة. حين يكف الناس عن الطعام لأنهم كانوا قد شبعوا ذات مرة، فتضعف أجسادهم وتتهاوى. أو حين يكفون عن الجنس لأنهم أخذوا كفايتهم من متعته، فلا يأتي نسل جديد.
وتلك بديهية .. فلا بد إذن من هذا الجوع المتجدد لتستمر عجلة الحياة.
ولكنا نجد من جانب آخر أن هذه الحكمة العليا ذاتها، لم تجعل هذا الجوع بحيث يملأ الحياة كلها ويستعصي على الإشباع، وإلا كانت الحياة جحيمًا لا يطاق، ولم يكن هناك حتى الوقت الكافي لتدبير الغذاء اللازم لسد هذا الجوع، سواء في أمر الجنس أو الطعام.
وهكذا تنقسم الحياة إلى فترات من الجوع، وفترات من الشبع تتفق في إعداد الطعام. وتلك كانت هموم البشرية الأولى في أبسط أوضاعها.
(1) كتبت ذلك في الطبعة الأولى. وقد مرت على الشرق الإسلامي فترة كانت قبلته فيها هي روسيا. وليس هناك فارق كبير!