الصفحة 138 من 162

وهو لا يقبل كذلك أن تنحدر الإنسانية إلى الدرك الذي تتشابه فيه أعمال الناس -لأنها أعمال غريزية خالصة- وهو يعرف أن الناس تتفاضل بالمشاعر، كما تتفاضل بالقوة والمقدرة والذكاء والأموال ... وأن تعدد النماذج واختلاف الدرجات سنة من سنن الحياة وهدف من أهدافها الأصيلة، لا يتحقق إذا هبط الناس كلهم إلى الحضيض.

وهكذا يستجيب الإسلام لأهداف الحياة كلها في وقت واحد، لا يغفل منها شيئًا، ولا يقحمه إقحامًا على النفوس. فهو إذ يطيع دافع الجنس يعرف حق الحياة في استمرار النسل، وحق الناس في إجابة الشهوة الشاغطة. وإذ ينظف وسائل التنفيذ يعرف استهداف الحياة للارتفاع، وقدرة الناس عليه. ولا يكلفهم مع ذلك شططًا، فلا يدعوهم للرهبانية، ولا يقبلها منهم إذا أتوا بها، بل يعتبرها نكولًا عن واجبات الدين.

يتصور الإسلام وجود علاقة بين الرجل والمرأة على أنه الشيء الطبيعي الذي ينبغي أن يكون. فهو يقرر أن الله جعل في قلب كل منهما هوى للآخر وميلًا إليه؛ يقول القرآن:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً". ولكنه يذكّرهما بأنهما يلتقيان لهدف هو حفظ النوع. وتلك حقيقة لا أحسبها موضع جدال. فمن المسلم به لدى"العلم"أن للوظيفة الجنسية هدفًا معلومًا. وليس هي هدفًا في ذاتها. فيقول القرآن:"نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ". فيحدد بذلك هدف العلاقة بين الجنسين، بتلك الصورة الموحية: صورة الأرض التي تحرث، لوضع البذرة، وتعهدها حتى تنبت، وتأتي بثمرة جديدة من نفس النوع.

وبهذه الصورة الموحية يتبين رأي الإسلام منذ البدء. فهو يرى أن للشهوة هدفًا محددًا، ولا يوافق على أن إرضاء الشهوة هو في ذاته الهدف الأول والأخير.

وربما خطر في فكر سائل أن يقول: إن هدف الحياة من هذه الشهوة يتحقق، سواء تيقظ إليه الفرد أو كان غارقًا في الشهوة العمياء؛ فما الفرق إذن بين هذا وذاك؟

ولكن الحقيقة أن هناك فارقًا هائلًا بين النظرتين في واقع الشعور. فحين يؤمن الإنسان بأن للعمل الغريزي هدفًا أسمى منه، وليس هو هدفًا في ذاته، يخف سلطان الشهوة الطاغية في شعوره، فلا يتخذ تلك الصورة الجامحة التي تعذب الحس أكثر مما تتيح له المتعة والارتياح؛ وليس معنى ذلك أنه يقلل من لذتها الجسدية، ولكنه على التحقيق يمنع الإسراف الذي لا يقف عند الحد المأمون.

وقد يكون مثال الطعام أقرب إلى الإدراك. فالذي يحسب أن الأكل غاية في ذاته، فيعيش ليأكل، يجعل همه الطعام ويسرف فيه إلى درجة قد تؤدي إلى التخمة، وفقدان المتعة بالغذاء في النهاية. أما الذي يأكل ليعيش، فلن يفقد لذة الاستمتاع بالطعام الشهي، ولكنه سيحد من شهوته إليه، فلا يسعى إليه سعيًا يذل كرامته وينقص من إنسانيته، وسيقف كذلك عند الكمية التي لا تؤذي الهضم، ولا تضر في نهاية الشوط.

والشأن في المسألة الجنسية كذلك. فالذي يرى أن إرضاء الشهوة هو كل الغاية، يسرف في طاقة جسده المحدودة، وفي ماله وأفكاره ومشاعره، حتى يصل إلى درجة الضعف الجسمي والانحلال النفسي. أما الذي يستحضر في فؤاده غاية الجنس، وهي النسل، فلن يسرف -لا لأنه سيمنع نفسه عن قصد وإرادة- ولكن لأن نفسه بطريقة آلية ستمتنع عن الإسراف، لانشغالها في أهداف أعلى. وهو في الوقت ذاته لن يفقد اللذة الجسدية حين يتجه إليها بنفسه ومشاعره، كلما فرغ إليها من شغل، أو أحس بدافع الجسد يدعوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت