فهذه المبررات عند الزوج قد تكون طاقة جنسية شاذة عنيفة لا تكفيها زوجة واحدة. أو قد تكون كرهًا للزوجة لا تجعل الاتصال بها يحدث السكينة المطلوبة. وقد كان تشريعا تعدد الزوجات وإباحة الطلاق منظورًا إليهما من هذه الوجهة، مع المبررات الأخرى التي اشتملت عليها حكمة التشريع لمواجهة حالات"الطوارئ"الشاذة. فأما الزوجة فقد يكون عذرها كذلك أن زوجها عاجز عن إشباع رغبتها الجنسية أو تكون كارهة له بحيث لا تسمتع بالاتصال به. وهما حالتان تبيحان لها أن تطلب الطلاق وتحصل عليه.
وهكذا تسقط المبررات، ولا يبقى إلا الزجر بعقوبة قاسية تكافئ الجرم في شناعته.
أما الخمر فلست أرى كيف يتجه إليها شخص له فطرة سليمة! فلنسأل الشاربين إذن ما الذي يغريهم بها، فينكبّون عليها حتى ينسوا أنفسهم وكرامتهم!
يقولون إنهم يغرقون فيها هموم الدنيا، ويستبدلون بظلمة اليأس نشوة وانطلاقًا. ولكن أصحيح ما يقولون؟ وما قيمة النشوة التي يعقبها الخمار والدوار، ويتبعها في الصباح هم أسود يغشى الحياة كلها بظلمته كما كان بالأمس أو أشد؟
على أي حال، فالخمر من أدواء المجتمع المضطرب الذي لا توازن فيه ..
فالترف الفاجر في القصور يبلد الحس بكثرة المتاع، والانكباب الدائم عليه، فيحتاج هذا الحس البليد إلى منشطات صناعية، ليستعيد شيئًا من نشاطه المفقود.
والفراغ التافه الذي يحيا فيه المترفون، يبعث على السأم والركود، فيحتاج هو الآخر إلى"مبهجات"صناعية، تخيل لصاحبها أنه يتجدد، فيحس أنه يعيش.
وهكذا تحيا القصور دائمًا غارقة في الخمر، ما دامت غارقة في الفجور.
أما الشعب المحروم من جانب آخر فهو مكبوت محزون، تأكل الحسرة قلبه، وينغص الواقع حياته؛ ولذلك يلتمس المهرب في الخمر أو غيرها من"المغيبات"لينسى .. ينسى الهم والكبت والتنغيص طرفًا من الليل، فإذا أقبل الصباح عاد الهم من جديد.
وأشد الناس إقبالًا على الخمر هم العمال المتعطلون. فحالة التعطل هي أقسى ما يمر على العامل من الناحية النفسية، لا المالية فحسب. لذلك يشتد إدمانه على الخمر لينسى هذا العجز الذي يعيش فيه. وإذا كان فقيرًا معدمًا، فهو يشرب أردأ الأنواع، وهي في الوقت ذات أقدرها على شل التفكير.
وهكذا تلازم الخمر والمخدرات الأخرى كل مجتمع تشتد فيه الفوارق بين الطبقات.
ولكن الملاحظ أنها توجد اليوم في كل المجتمعات وتؤدي في كل منها وظيفة متقاربة، هي الهرب من الواقع السيء حينًا من الزمان ... ولكن ذلك لا يستعصي على التفسير. فالمدنية الحديثة، كما صدرت عن الغرب المادي الذي لا يؤمن بالروح، ولا يرتفع عن المادة، مدنية ثقيلة الحمل على الأعصاب. وليس فيها الترفيه الروحي الذي كان يمكن أن يعوض الجهد الجسدي المضني، أو الجهد العصبي طوال النهار. فلا بد إذن من مرفه صناعي، يخلق هذا الجو المشرق، بعيدًا عن كآبة الآلة الجامدة ذات الوتيرة الواحدة. الآلة الصماء التي لا تأنس إليها النفس، ولا يرتاح إليها الضمير. وبعيدًا عن الجلسة المملة في مكاتب الحكومات والشركات، ساعات متطاولة من النهار في عمل صامت كئيب.
وقد لوحظ أن الخمر، وكل المفاسد الخلقية الأخرى، تسير دائمًا في ركاب"المدنية"الأوربية، حيثما وصلت شرورها إلى ميدان جديد.
وكان يقال إن البرد القارس في أوربا هو الذي أجبر الأوربيين على شرب الخمر، ولكن انتشار شرب الخمر في منطاق شديدة الحرارة في أمريكا، كفيل بالرد على هذا الزعم، كما يرد عليه أيضًا وجود قوم في أبرد بلاد أوربا لا يشربون الخمر، ومع ذلك لا يحسون بنقص في نشاطهم وحيويتهم.