الصفحة 113 من 162

فإذا وجدت هذه الاحتياطات العملية والتربوية، فقد سقطت المبررات المعقولة لهذه الجريمة. ومع ذلك كله فقد يحدث أن يعنف الإغراء بفرد حتى تنهار مقاومته، ولا يملك نفسه من التردي في الهاوية. فأي رحمة بهذا الفرد الضعيف أمام شهوته -رغم جريمته- أعظم من أن يكون في التشريع ذاته ما يعاونه على الإفلات من العقاب؟!

إن جريمة الزنا لا تثبت إلا بشهادة أربعة شهود يرون الجريمة فعلًا، وبدرجة التثبت واليقين. بحيث لو نقصوا عن أربعة، أو سحب واحد منهم شهادته، لاعتبر الباقون متهمين بالبلاغ الكاذب، ووقعت عليهم العقوبة بدلًا من توقيعها على المجرم الأصيل!

ولم يكن القصد من هذا الاختياط بطبيعة الحال تشجيع المنحلين على الفاحشة! ولكن قصد به ألا يتخذ الكاذب في هذه المسألة وسيلة للإيقاع بالناس بغير جريرة، إرضاء لضغائن شخصية، وأحقاد مريضة.

كما روعي فيه كذلك أمر بالغ الخطورة في نظر الإسلام. فإن صعوبة إثبات جريمة الزنا، ومعاقبة المبلغين إذا لم يتثبتوا، تجعل التبليغ عن الجريمة أمرًا نادر الحدوث. فلا يتحدث المجتمع إذن عن وقوعها، ولا تلوكها الأفواه، وهذا هو المقصود. فإن كثرة الحديث عن وقوع الجرائم يهوّن أمرها لدى السامعين، ويغري ضعفاء النفوس بإتيانها -اقتداء بالمثل السيء. فأما حين لا يذكرها الناس في مجتمعاتهم، فإنها تظل مرهوبة يستبشع الناس حدوثها ولا يقدم عليها أحد. فيقف هذا حائلًا سلبيًا يحول دون انتشارها. وهكذا يقصد الإسلام بتصعيب إثبات الزنا ألا تشيع الفاحشة بالسماع، وتظل قلوب المتطهرين والمتطهرات خلوًا مما يخدش ترفعها ونظافتها. ولمثل هذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم من وقع في معصية فستر الله عليه فلم يره أحد، أن لا يعود فيقول صنعت كذا وكذا.

وإنما توقع العقوبة على المتبجح الذي يصل تبجحه إلى حد أن يضبطه أربعة من المارة متلبسًا بجريمته. وأقول من المارة، لأن التجسس ممنوع بأمر القرآن. وتسور البيوت لإثبات الجريمة ممنوع كذلك إلا أن تقوم القرآن اليقينية على اتخاذها أوكارًا للمفسدين في الأرض، يسعون فيها فسادا.

وهذا المتبجح يرتكب في الحقيقة جريمة مزدوجة. فليس هو الشخص الذي استولت عليه نزوة الغريزة فلم يقدر عليها. وإنما هو العابث المستهتر، الهازئ بكل تقاليد المجتمع وقوانينه وآدابه، فهو لذلك لا يستحق الرحمة من الله ولا من الناس، فيقول القرآن عنه وعن شريكته في الجريمة:"وَلَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ".

أما المجرم المتستر، الذي يراعي تقاليد الجماعة، حتى وهو يقع في الخطيئة، فهو أقل ضررًا على المجتمع لأن جريمته لن تشيع، فلا يكون هناك خطر العدوى بالقدوة السيئة. وهو متروك لضميره، ولعذاب الآخرة ينتظره في نهاية المطاف. فإما أن يتوب ويصلح، فعسى الله أن يغفر له، وإما أن يستمر في غيه، فيزيد عبودية لحيوانيته، فيقع يومًا تحت طائلة العذاب.

ذلك بين العزاب من الشبان المراهقين. ولكن المتزوجين أحيانًا يقعون في الخطيئة. وقد كان المفهوم أن الزواج قد أحصنهم فلم يعودوا يجدون دافعًا للجريمة. وكان هذا هو السبب في تشديد العقوبة عليهم وجعلها الرجم حتى الموت لا مجرد الجلد. ومع ذلك فإن تلك العقوبة القاسية لم تقرر على الزوج أو الزوجة حتى تستنفد جميع المبررات المعقولة .. رغم أنهما متزوجان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت