الصفحة 112 من 162

فإذا كان الأمر كذلك فقد انتفت المبررات الاقتصادية للقتل والاعتداء. ومع ذلك، فإذا وجدت المبررات -رغم كل احتياط- فقد أبيح للفرد أن يقتل من في يده طعامه أو شرابه إذا منعه عنه، وخاف على نفسه الهلاك، كما يقرر الفقه الإسلامي.

فالإسلام إذن لا يترك المظالم الاجتماعي قائمة ثم يطالب الناس بالبعد عن الجريمة، بل يمنع هذه المظالم أولًا ويطلب منهم بعد ذلك ألا يكونوا معتدين.

أما الأسباب التي تتصل بالعرض، فقد ضمن الإسلام عدم قيامها بتشريع آخر هو حد الزنا. ولا يكتفي بذلك -كعهده في كل شيء- بل يعمل جاهدًا على تعويد الفرد أن يضبط شهواته ويكبح جماحها في الحدود الشرعية المعقولة، التي تعود بالنفع على الجماعة والفرد في آخر الشوط.

فإذا كان المجتمع قائمًا على الفضيلة، لأن أفراده قد تربوا على استنكار الحيوانية البهيمية، وإذا كانت هناك عقوبة توقع على سارقي الأعراض، فقد انتفت المبررات التي تدفع إلى القتل دفاعًا عن العرض.

أما السرقة فدوافعها الجوع، والعجز عن الكسب الشريف، واضطراب الميزان الاقتصادي في المجتمع. وقد أسلفنا بيان الواجب المفروض على وليّ الأمر في الإسلام لملاقاة هذا الاضطراب، وتمكين كل فرد أن يجد العمل الذي يكسب به قوته وقوت عياله في حدود إنسانية كريمة. وبيت المال مطالب بتكملة النفقات الضرورية إذا كان العمل وحده لا يكفي. فإذا كان الفرد عاجزًا للمرض أو الضعف أو الشيخوخة، أو كان طفلًا، فعند ذلك يتكفل بيت المال بجميع النفقات اللازمة للحياة الكريمة. وذلك بالإضافة إلى التربية الإسلامية التي تحبب الإنفاق في سبيل الله، طمعًا في رضوان الله.

فإذا حدث -رغم هذا الاحتياط- أن وجد جائع يسرق ليأكل، أو يسرق ليستكمل وسائل حياته، فقد سقط عنه الحد بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

أما دوافع الزنا فهي الغريزة المسيطرة العنيفة الملحة، التي لا تهدأ ولا تكف عن الهياج.

وقد عالج الإسلام أمر هذه الغريزة من عدة وجوه. أولها التربية التي تعود الفرد على ضبط شهواته جميعًا ومن بينها شهوة الجنس، دون أن تكبتها بما يؤدي إلى الاضطرابات النفسية والعصبية. فإذا صرح للفتى المراهق أن يحس بالرغبة دون أن يتحمل قلبه إثمًا، فهذا يخفف كثيرًا من الحمل الذي يقع على الأعصاب. ويعالجها ثانيًا بإيجاد مجتمع تحكمه الفضيلة، فلا يوجد فيه التبرج الذي يثير كوامن الشهوة، ولا الصور الخليعة ولا السينما ولا الإذاعة التي تشترك في هذه الجريمة؛ كما يضرب على أيدي تجار الأعراض المفسدين في الأرض؛ فيعمل بذلك على منع العوامل التي تستفز الغريزة إلى درجة السعار المجنون، الذي يتعذر معه الضبط والقياد. ثم هو يشغل الفتيات والفتيان بما ينفس عن الطاقة الحبيسة شيئًا من التنفيس. ولكن الإسلام يدرك من طبيعة البشر ما يجعله يعلم أن كل هذه الوقاية لا تفلح إلا في تخفيف عوارض الغريزة. فهو لذلك يقرر لها العلاج العملي الذي لا علاج غيره وهو الزواج. فيدعو إلى التبكير فيه، ويحض عليه بكل الوسائل، إلى حد أن يفرض على بيت المال أن يعاون من تقف حالته المالية عائقًا عن الزواج [1] .

(1) أول ما يتبادر إلى الأذهان هو استحالة هذا الحل في في المجتمع الحالي. وقد عرضت لتلك الاعتراضات بالتفصيل في فصل المشكلة الجنسية. وأنا على أي حال أتكلم عن المجتمع الإسلامي، لا عن المجتمعات التي لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، والتي لا يمكن أن يقام فيها الحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت