الصفحة 111 من 162

وأنا أستند في هذا إلى حادثتين لهما دلالة عميقة، وقعتا في عهد عمر بن الخطاب. وعمر بالذات لا يمكن أن يتهم بالتوسع أو التساهل في تطبيق الشريعة. وهو الذي حضر الرسول عليه الصلاة والسلام في نوبة من نوبات المرض الشديدة فوجده يقول:"ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا"فيقول عمر: إن النبي عليه الصلاة والسلام والسلام غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا.

فإذا كان هذا هو استمساك عمر بحرفية الشريعة، فلا يمكن أن يتهم بالتوسع والتساهل في أمور الشريعة.

فأما الحادثة الأولى فهي أنه أسقط حد السرقة في عام الرمادة -عام الجوع- فاعتبر الجوع شبهة تمنع إقامة الحدود.

والثانية وهي أبلغ في الدلالة، هي هذه الحادثة:"روي أن غلمانًا لابن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر، فأقروا، فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم. فلما ولّى ردّه، ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعوننهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، لقطعت أيديهم. ثم وجه القول لابن حاطب بن أبي بلتعة فقال: وأيمن الله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك! ثم قال: يا مزني، بكم أريدت منك ناقتك؟"قال: بأربعمائة. قال عمر لابن حاطب:"اذهب فأعطه ثمانمائة".

هذه الحادثة كتلك، قاطعة الدلالة في أن العقوبة لا تنفذ في الإسلام، حتى يضمن ولي الأمر أن مبررات الجريمة غير قائمة. فإذا قامت المبررات -ولو على سبيل الشبهة- سقط الحد. والرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يقول:"ادرءوا الحدود بالشبهات"فيجعل ذلك مبدأ تشريعيًا، لا تصل الرحمة إلى أبعد منه في معاملة الفرد، حتى وهو يعتدي على أمن الجماعة وطمأنينتها.

ولننظر في الجرائم واحدة واحدة، فنرى المبررات المعقولة لها في نفس الفرد، وكيف يتفادى الإسلام قيامها في مشاعره قبل أن يفرض عليه العقاب.

إذا أحصينا جرائم القتل في أنحاء العالم كله، وجدنا معظمها يقع لأسباب اقتصادية أو لأسباب تتصل بالعرض.

فأما المسألة الاقتصادية فقد احتاط لها الإسلام بمبدأي التكافل الاجتماعي، والتأمين الاجتماعي.

فولي الأمر في الإسلام مكلف بنشر العدالة الاجتماعية، بحيث يمنع وجود الترف المجرم من جانب والحرمان الكافر من جانب آخر. وقد وضع الإسلام في يده تشريعات تحرم الربا وتحرم الاحتكار -وهما وسيلتا التضخم الرأسمالي الذي يفقد المجتمع توازنه- كما تحتم جباية الزكاة التي تأخذ قدرًا من رأس المال ذاته - لا من الأرباح فحسب- وتشريعات تفتت الثروة بالإرث، حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء، وجعلت له بعد ذلك كله حق أخذ فضول أموال الأغنياء وردها إلى الفقراء، على حد قول عمر. كما أوجب عليه الإسلام أن ينظر في أن لكل فرد في الأمة عملًا شريفًا يتكسب منه [1] ، فإذا كان عاجزًا عن الكسب فعلى بيت المال أن يؤمّنه من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية ...

وليس هذا فقط هو الإسلام. فهو يضيف إلى العدالة الاقتصادية، التي تضع الشيوعية كل همها في تحقيقها، وتنفض يدها من الأمر بعد ذلك، على زعم أن جبرية الاقتصاد -تعمل عملها دون تدخل من أحد! يضيف الإسلام إلى تلك العدالة الاقتصادية غاية أخرى يهتم بها أشد الاهتمام، ويدأب عليها، ولا يمل أن يلقي إليها همه: تلك هي تربية الفرد منذ طفولته على مشاعر الحب والألفة والتعاون، بحيث تُمنع الضغينة من القلوب.

(1) جاء رجل يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهاه عن السؤال ودبر له عملًا يقتات منه. وهذا مبدأ تشريعي صريح في بيان واجب الحاكم نحو الشعب في الدولة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت