إلى هنا كنا نعرض الجريمة من وجهة نظر الجماعة المعتدى عليها. ولا يماري أحد في حق الجماعة في حماية نفسها ما يفسد أمنها وسلامتها. وإن من حقي وأنا قابع في بيتي أو منصرف إلى عملي أو إلى المباح من المتعة البريئة، لا أوذي أحدًا ولا أشترك في إيذاء أحد، أن أستمتع بالاطمئنان الكامل على نفسي وأهلي وملكي المشروع. وعلى الدولة بوسائلها أن تحقق لي هذا الاطمئنان.
ولكن كثيرًا من الغربيين"المتحضرين!"يتابعهم هنا كثير من"المثقفين"يستبشعون العقوبات الإسلامية، ويعدونها همجية بربرية، لا يجوز أن توصم بها الإنسانية وخاصة في العصر الحديث ... عصر الهلاك الإجماعي بالقنابل الذرية والإيدروجينية وأشعة الموت، للشيوخ والأطفال والنساء، وللظالمين والأبرياء سواء!!
وهم يقولون لك: إن سمات البربرية والتأخر في هذا الإسلام أنه يهدر كيان الفرد، فيستسهل إعدامه، أو رجمه وجلده، أو قطع يده لأبسط الشئون. أوَ من العدل أن تقطع يد رجل من أجل عشر تمرات. أف! إنها لوحشية كريهة، إن كانت تصلح لأعراب الجزيرة في ظلمات الماضي، فإنها لا تصلح للعالم المتحضر في القرن العشرين ...
ولا نسأل أولئك الملائكة المترفعين عن قنبلتي هيروشيما ونجازاكي، ولا عن معسكرات الاعتقال في الثلوج الباردة، وقوائم التطهير السنوية التي يعدم فيها الناس بالمئات والألوف. ولا نسألهم عن الزنوج -إخوانهم في المسيحية لا في الإنسانية فحسب- كيف يركلون بالأقدام حتى تفارقهم أرواحهم، فيصلبون في جذوع الشجر نكالًا وعبرة، لأنهم ارتكبوا جريمة شنيعة، وأصروا على ارتكابها: جريمة"الحياة"وهم ملونون!
لا نسأل عن شيء من ذلك، لأن أولئك المتبجحين لا يخجلون من أنفسهم ولا يتأثمون.
وإنما نقول لهم: إنه لا يوجد نظام على ظهر الأرض، شرقها وغربها سواء، يصون كرامة الفرد وإنسانيته بقدر ما يصنع الإسلام. فهو النظام الوحيد الذي يعتبر الجماعة مجرمة في حق الفرد إذا هي سلبته حق الحياة، فيبيح له أن يقاتلها، فإذا قتل فهو شهيد تدفع لأهله الدية، وإذا قتل فلا دية عليه. وهو لا يترك هذا أماني في الضمير، ولا دعاية شفهية. بل يجعله جزءًا من التشريع. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائعًا فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى". ويرتب ابن حزم على ذلك -وهو من كبار الفقهاء- فيقرر أن أي إنسان يموت جوعًا في محلة لزمت الدية على أهلها جميعًا (أو على الدولة ممثلة المجتمع) .
والغربيون يستبشعون الحدود الإسلامية لأنهم يتصورون أنها تطبق كل يوم كعقوبات السجن والغرامة التي يطبقونها في بلادهم كل يوم، فيتصورون في المجتمع الإسلامي مجزرة هائلة لا تهدأ عن العمل: هذا يقتل وهذا يرجم وذاك يقطع ... ولكن الواقع أن هذه العقوبات لشدتها وقسوتها لا تكاد تطبق أبدًا! وربما يمضي الجيل الكامل لا يوقع فيه حد على أحد من الناس. فهي كما يقول عمر:"علّق عصاك بحيث يراها أهل الدار، ولا داعي للضرب بعد ذلك، فإنه يكفي التهديد!"
ولكن أهم من ذلك كله أن الإسلام لا ينظر للجريمة بعين الجماعة فحسب، بل يمسك الميزان من منتصفه، فينظر إليها كذلك -وفي ذات الوقت- بعين الفرد الذي تقع منه الجريمة.
فهو حين ينظر إليها بعين الجماعة، فيقرر حقها في حماية نفسها من الجريمة، ويفرض لذلك العقوبات، ينظر كذلك بعين الفرد، فيرى مبرراته ودوافعه لارتكاب الجريمة، فيعترف بها، ويعطيها حقها الكامل من التقدير والرعاية، ويعمل على إزالة كل الدوافع المعقولة قبل أن يفرض العقوبة. فإذا حدث رغم هذا الاختياط الذي يحرص عليه أشد الحرص، أن قامت المبررات، سقط الحد ولم تكن هناك جريمة.