الصفحة 109 من 162

هو إذن يزعم أنه هو المهتدي، وأن الآخرين -المؤمنين- مغفلون، يقيدون أنفسهم بالتزامات تحد من استمتاعهم بحيوانيتهم الطليقة! فهو يدعوهم إلى الهدى! ويبشرهم بالنور الجديد! والاستجابة لدعوة الشر، أو دعوة الانطلاق من القيود لا تحتاج إلى كبير جهد، فالإنسان أقرب إلى الهبوط منه إلى الصعود. وإنما التسامي والارتفاع هو الذي يحتاج إلى جهد دائب. من المربي في أثناء الطفولة، ومن الإنسان ذاته حين يرشد، ومن ولي الأمر ليعاون الضعفاء الذين يتعرضون لمخاطر الهبوط. فيأتي هذا المرتد فيفسد هذا الجهد الطويل كله، ويرتد بالناس إلى الحيوانية الغريزية. فكيف يطلب المتشدقون بالحرية أن يباح هذا لمن يريد؟ ولا يزعم المرتد -كما يزعم شارب الخمر- أن هذا شأنه وحده، وعلى الناس أن يتحصنوا من شروره. فهذه سفسطة لا تثبت للنقاش.

ثم إن المرتد لا بد أن يرتكب شيئًا من الجرائم الخلقية، تلك الجرائم التي بيّنا خطرها على المجتمع من قبل. ولا تصدق من يقول لك: إنني ألحد -بالفلسفة! - ولكني أراعي قواعد الأخلاق. فقد كان الانفلات من قيود الأخلاق هو الدافع الأصيل الذي دفعه إلى الهروب من الدين. ولو وافق عليها، عن اقتناع حقيقي بضرورتها، وإيمان خالص بأن الإنسانية لا تتحقق إلا بها، لما وجد في نفسه حاجزًا يحجزه عن الله ودينه الحق.

ومهما يكن من أمر، فلن يتوقع أحد من نظام يحرص على سلامة الجماعة، سلامتها الجسدية والعصبية والفكرية والروحية، أن يبيح للمؤمنين أن يرتدوا إلى حظيرة الحيوانات.

أما الإفساد في الأرض فجريمة تندرج تحتها أعمال كثيرة: منها فتنة المسلمين عن دينهم. وقد كان هذا يحدث في بدء الدعوة، وانتهى باستقرارها وتمكنها في الأرض، وإن كان ما يزال ينطبق -من الوجهة القانونية- على عصابات التبشير التي تبثها الدول الأجنبية في البلاد الإسلامية.

ومنها إقامة العراقيل والاضطرابات أمام الحكومة الإسلامية الرشيدة، بدون وجه حق، وبنية خبيثة هي تقويض دعائم الإسلام، وإثارة الفتنة في صفوف المسلمين. وينبغي أن نفرق هنا تفريقًا حاسمًا بين هذا العمل وبين معارضة الحاكم الإسلامي حين يخرج على شريعة الله. فتلك المعارضة واجب محتم على كل مسلم، لا يتم إيمانه دون القيام به. ويتهدده العذاب في الدنيا والآخرة إذا هو نكل عن أدائه.

ومن أهم ما ينطبق عليه كذلك"التكييف القانوني"لجريمة الإفساد في الأرض، إقامة العصابات للسلب والنهب والاعتداء على الأرواح والأعراض. فكل عصابة تتألف للسرقة أو النشل أو قطع الطريق أو نهب المحاصيل، أو نشر الدعارة والفساد الخلقي، داخلة في هذه الجريمة الشنعاء.

وقد كان حقًا أن تشدد العقوبة على هذه العصابات أكثر مما تشدد على الأفراد. فالفرد الذي يرتكب جريمة بمفرده أقل خطرًا على أمن الجماعة وسلامتها، من الذين يجتمعون للشر ويتفننون فيه. فهم لكونهم جماعة، قادرون على تنظيم أنفسهم، بحيث يرتكبون أكبر قدر من الشر، دون أن ينالهم أذى كبير. فهم يعهدون إلى البعض منهم بأعمال الكشف، ليتمكنوا من الهرب إذا دهمتهم الشرطة. ويعهدون إلى البعض الآخر بالتسلح لحراسة الجريمة، ومهاجمة الشرطة والاعتداء عليها إذا وقع بينهما صدام، وهكذا يسعون في الأرض فسادًا متبجحين معتزين بالإثم. فلا بد أن تكون العقوبة من الجانب الآخر عنيفة قاسية، ليرتدع من لا ضمير له من المجرمين. وإن عثمان يقول: يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت