الصفحة 108 من 162

يقول القرآن:"إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ"ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"اجتنبوا الخمر فهي أم الكبائر". وذلك لما يتولد عنها من شرور أخرى، أثناء تعطل الإرادة الضابطة، والوعي الذي يزن الأمور. وعلم النفس التحليلي يؤكد هذه الحقيقة إذ يقرر أن الخمر تخدر"الرقيب"الذي يقف بباب العقل الباطن يمنع منه ما لا يجوز أن يخرج، فتنفلت الشرور الحبيسة فيه في غفلة من هذا الرقيب"المغفل"!

وسيان فعل الخمر وغيره من المخدرات كالحشيش والأفيون .. الخ. والذين يتشككون في حكم الإسلام عليها قوم قصار النظر، لا يتبينون طبيعة الإسلام. فما دام الإسلام يكره الهروب من الواقع، ويحتم أن يكون الإنسان في وعيه، ليعد نفسه على الدوام لمواجهة الأزمات والتغلب عليها، فكل شيء يسلبه وعيه -ولو إلى حين- حرام، صريح الحرمة في نظر الإسلام.

ويحضرني في ذلك وصف دقيق لفعل الأفيون في مشاعر من يتعاطاه، كتبه سومرست موم في قصة المأزق الحرج The Narrow Corner. كان يصف حالة رجل مضطرب على ظهر سفينة شراعية صغيرة تعبر المحيط بين استراليا وأندونيسيا. والرجل في خشية من مواجهة البحر لأنه هائج مضطرب، ولم يكن له قِبَل به في مثل هذا المركب الصغير. فماذا يعمل؟ لقد هرب لأنه لم يستطع مواجهة العاصفة. هرب إلى قمرته في داخل السفينة وأخرج غليونه، فوضع فيه قدرًا من الأفيون وأخذ يدخن (وقد كانوا في الشرق الأقصى يدخنونه!) ورويدًا رويدًا هدأت مخاوفه، فقد صارت هزات السفينة العنيفة، اهتزازًا لطيفًا كاهتزاز المهد بالطفل! ثم أخذ بالتدريج يسبح في"الملكوت". وخيل إليه أنه قد اكتسب قدرة فائقة. قدرة جسدية وعصبية وفكرية. وأنه قادر على حل كل مشكلات الأرض لو عرضت عليه. ولكنه مطمئن إلى قدرته تلك. فهي تحت تصرفه حين يريد. فلماذا يشغل باله الآن بحل المشكلات؟ كلا. كلا! فلينعم الآن بالخيال، وليترك المشكلات لحينها. ووقتها سوف يحلها بإشارة واحدة من بنانه، ولمحة واحدة من فكرة الخصب!!

وهكذا خيال المساطيل! فكيف يبيح الإسلام هذه الغيبوبة التي تشل الفكر وتعطل جهاز المجالدة والصراع! لا يحتاج الإنسان إلى كثير فكر ليعرف رأي الإسلام في المخدرات، وهو الحريص على تربية كل جوانب النفس، وخاصة جانب الإرادة الواعية، والمقدرة على ضبط المشاعر والشهوات.

بقيت جرائم الردة والإفساد في الأرض.

وقد بينا من قبل أن الردة لا تدخل في باب الحرية الشخصية. ونضيف هنا أن فيها كجريمتي الخمر والزنا خطر العدوى، لو تركت بغير عقاب. والارتداد تحلل من الالتزامات. ولا يمكن أن يتحلل فرد من التزاماته نحو ربه، التي هي في الوقت ذاته التزاماته نحو نفسه والجماعة التي يعيش فيها، دون أن يكون خطرًا على بقية المجتمع، ولنتمش قليلًا مع خيال الذين يزعمون أن هذا حادث فردي يدخل في نطاق الحرية الشخصية. ما موقف هذا الفرد المرتد من بقية المؤمنين؟ إن خياله المريض يخيل له دون شك أنه هو المهتدي! وتلك مغالطة داخلية يقوم بها بينه وبين نفسه، لينكر أنه في الواقع يريد أن يتنصل من قيود الخلق ومن ضوابط الإنسانية، ليصبح حيوانًا عربيدًا يخضع لهاتف الشهوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت