ولكن حياة السلم ذاتها مليئة بالمشكلات: فعلاقات الإنسان بأهله، وبرؤسائه ومرؤوسيه، وزملائه، ومواجهة المطالب التي لا تنتهي، كل ذلك في حاجة إلى الوعي الكامل، ولا يمكن أن تحلها كؤوس الخمر وعرائس الخيال! وكل شيء يحتاج إلى مرانة .. إنك لا تستطيع السباحة إذا لم تتعلمها وتمرن عليها. لا لأنك عاجز بطبيعة تكوينك، ولكن لأنك فقط لم تدرب. وكذلك لا تستطيع الوقوف للمشكلة والعمل على تخطيها إذا أنت لم تدرب على ذلك مرة ومرات، لا لأن كيانك في ذاته يعجز عن ذلك، ولكن لأنك تعجزه بعدم التدريب.
ومن هنا لا يستطيع المدمن أن يصحو فجأة فإذا هو قادر على مجالدة الأمور ومصارعتها، لأن جهاز المصارعة يتعطل بعدم استخدامه في مواجهة وقائع الحياة.
وقد يزعم الشارب أن هذا شأنه كفرد، وليس لأحد أن يتدخل في شئونه الشخصية ما دامت لا تؤذي أحدًا سواه.
وفي هذا القول كثير من المغالطات.
فليس أولًا حرًا في إيذاء نفسه! لأنه ليس ملكًا خالصًا لنفسه. فإذا قيل إن في هذا اعتداء على كيانه الشخصي فردنا على ذلك بسيط: إذا كان الفرد يريد أن يكون ملكًا خالصًا لنفسه فعليه أن يعتزل المجتمع كله، ويصنع لنفسه غذاءه وشرابه وكساءه، ويحافظ على أمن نفسه من كل خطر يتهدده. وليصنع بعد ذلك ما يشاء! أما إذا أراد أن يعيش في المجتمع، ويستفيد من حياته فيه أمنًا ورفاهية وسعادة، فعليه إذن أن يضع نفسه تحت تصرف الجماعة، بقدر ما وضعها هو تحت تصرفه، في الخدمات التي تؤديها له. والجماعة في حاجة إليه صحيحًا معافى، لا في الجسد فقط، ولكن في النفس والعقل والضمير. فكل إيذاء يتعرض له الفرد، سواء بإرادته أو بغير إرادته، يعود بالضرر على المجتمع الذي يعيش فيه.
تلك هي المغالطة الأولى، وإن لم تكن الكبرى ..
فهناك العدوى بالتقليد، وذلك أخطر ما في الموضوع. إن نزعة التقليد نزعة بشرية لا يمكن الفكاك منها. ومهما كان الفرد ممتازًا، ففي نفسه هذا النزوع الدائم إلى تقليد غيره، بغير وعي في كثير من الأحيان. فمن جرائم السكير أنه يضع القدوة السيئة أمام غيره، وفيهم من الضعفاء كثيرون. ولا يزعم هذا السكير أنه غير مسئول عن الآخرين، لأنهم لو شاءوا لامتنعوا عما يأتيه هو من السوء! فإنه لا يجوز لي أن أضع الجراثيم وسط الناس ثم أقول: إذا كانت لديهم مناعة فلينجوا من الأمراض! وإنما علي أن أمنع الجرثومة في ذات الوقت الذي أربي المناعة فيه.
وأسوأ ما يكون الأثر على أسرة السكير، ولو علم أي جريمة يرتكبها في حق أولاده لجلد نفسه بنفسه قبل أن يجلده الآخرون. إن الطفل ينزع إلى إكبار والده، حتى ليرى فيه كائنًا يشبه الإله! ثم هو -على غير وعي منه- يتلبس بشخصية والده في داخل نفسه، فيحاول أن يكون صورة منه. فكيف يكون الحال حين يرى أباه في تلك الهيئة المزرية المنفرة المهينة؟ إن صراعًا عنيفًا جدًا يقوم في نفس الطفل، ولا يمكن أن ينتهي بالخير. فهو إما أن ينفر من والده ويحتقره، فيفصل في داخل نفسه بين شخصين كانا متحدين من قبل، فيلقي بأحدهما إلى الخارج، وينزوي بالآخر حائرًا ليس له دليل. وإما أن يظل متلبسًا به، مقتديًا بأعماله، فينشأ منحلًا ليسه له كيان. فإذا كانت طفلة، فهي إما أن تنشأ منحلة الأخلاق ساقطة، أو يصيبها النفور من الرجال جميعًا فتنفر من الزواج، وتصاب بالعقد النفسية إذا قسرت عليه. فكأن السكير يهدر كيان أبنائه، ويبدد حياتهم ويضعها في كف الشيطان.
ولا ننس المشاحنة والبغضاء التي تقوم بين الشاربين حين يفقد كلٌّ وعيه. فينسى إنسانيته، ويخرج بحيوانيته الكامنة في عقله الباطن. ثم إن شرب الخمر جريمة تغري بجرائم أخرى أهمها الزنا، والقتل في بعض الأحوال.