وما ينبغي لأي نظام يعمل لحياة الأجيال كلها، لا لجيل واحد بعينه، أن يجاري هذا البله الخطير، فيبيح للناس شهواتهم، وهو يرى رأي اليقين بعين المستقبل أن الكارثة تنتظرهم في آخر الطريق!
ولو فعل فأي نظام يا ترى يكون؟!
وكيف يجاري سنة الحياة في التقدم والتطور، وهو يبيح للإنسانية أن تهبط وتنحط، وتنفق طاقتها في لذة الحيوان، فلا تجد رصيدًا بعد ذلك للارتفاع، ولا ميلًا إليه ولو وجد الرصيد؟
ثم ... كيف يجوز لأحد أن يسرق عرض أحد في غيابه؟ من يبرر ذلك؟ وكيف يجوز أن تسرق عواطف أب، بالتدليس عليه بولد غير ولده؟ أم يقولون: إن هذه المشاعر -مشاعر الغيرة على العرض، أو الغيرة من العشيق- لا توجد إلا في الشرق المتأخر؟ فلينظروا في حوادث الانتحار وحوادث القتل التي تحدث في الغرب المتحضر، نتيجة لإحدى الغيرتين .. في فرنسا أم المدنية، وأمريكا أمة الآلهة القادرين!
إنه لعجيب أمر هذا الناس الذين يطلبون إباحة الزنا للمجرمين ...
أما الخمر فقد كان أمرًا طبيعيًا أن يحرمها الإسلام. ولست أدري أن نظامًا يحترم نفسه يمكن أن يبيحها. وإذا كانت دول الغرب تأخذ المسألة على أنها أمر واقع، فإنها -مع ذلك- تعاقب السكير حين يخرج عن حدوده، حتى ولو لم يعتد على أحد ولا على شيء. لأن منظره وهو ملقى في الشارع، أو محتضن عمود النور يناجيه بآلامه وأمانيه، أو سائر يترنح لا تكاد قدماه تحتملانه .. منظر مؤذ لكرامة الإنسان.
ولكن الإسلام بالذات لم يكن ليبيحها، ولو أباحتها كل نظم الأرض ..
فالخمر في حقيقتها هروب من واقع الحياة، وإعلان للهزيمة أمام التبعات!
فبدلًا من أن يواجه الإنسان شئون حياته ويتدبر الحلول لمشكلاته -ولكل إنسان على الأرض مشكلات- نجده يهرب من ذلك كله في كأس من الخمر، تخدر أعصابه رويدًا رويدًا، وتبعده عن تلك المشكلات، وتخلق له -في الخيال- عالمًا جديدًا ليس فيه شيء من تلك الواقع التي كانت تشغل باله منذ حين. عالمًا يصنعه على عينه، وكما يشتهي. ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. فهناك نشوة تسري في عروقه، تخيل له أنه قد أصبح شخصًا جديدًا، حيًا، فياضًا بالحيوية والنشاط. وهذا الشخص الجديد كما يقول السكير الذي استشهدنا من قبل بكلمته، يحس أنه في حاجة إلى كأس أخرى. وهكذا لا يرتوي من الشراب. بل كلما شرب ازدادت شهوته إلى كأس جديدة، حتى يفقد وعيه، وتعجز أعصابه وفكره عن أداء وظيفتهما فيصير إلى ذلك الشخص المضحك المثير للسخرية الذي وصفناه منذ قليل. وقد يزيد على ذلك، فتصيبه نوبات القيء التي تثير الاشمئزاز والنفور.
وهب أن هذا الإسفاف لا يقع كله فإن الإسلام يكره الهروب من الواقع. إنه دين مواجهة ومجالدة. دين غلبة وجهاد. سواء جهاد الأعداء أو جهاد النفس الذي أشار إليه القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. ولا يتيسر شيء من ذلك مع الهرب من مواجهة الحقائق واللوذ بالخيال المريض.
والحياة عادة كما كررنا أكثر من مرة. والذي يتعود أن يهرب من المشكلة ولا يواقعها، ويحلها هذا الحل الرخيص في عالم الخيال، شخص لا يصلح للجهاد. بل هو أقمن أن ينزوي عنه ويطلب السلامة من أيسر سبيل. والجهاد ليس الحرب والقتال فقط. فتلك مسألة استثنائية، وإن كانت تحتاج إلى تعويد النفس عليها، وتجنيدها لها، حتى إذا وقعت فجأة كان الناس على استعداد.