أما السرقة فقريبة من القتل، وإن كانت أخف ضررًا وأثرًا. فهي اعتداء على الملك لا على النفس. أي اعتداء على نزعة فطرية تالية في الترتيب والأهمية لغريزة حفظ الذات [1] .
ولكن إطلاق السرقة بدون عقاب يؤدي إلى حالة تقرب من إباحة القتل. فهي تجعل الناس في شغل شاغل بحماية أملاكهم، وذلك يبدد نشاطهم الذي كان يمكن أن يوجه الناس إلى شيء نافع. كما أنه يمكن أن يؤدي إلى الجريمة الكبرى حين تضطغن النفوس، وتقوم بينها الحزازات. ولا بأس هنا أيضًا من ذكر حقيقة تاريخية أخرى: هي أن حركة التجارة، الإقليمية والعالية سواء، لم تكن تنشط إلا في الفترات التي يسود فيها الأمن ويمتنع السلب والنهب. أما فترات الفوضى التي كانت تقضي على حركة التجارة، فكثيرًا ما كانت تؤدي إلى المجاعات في شتى بقاع الأرض.
حين يأمن المالك على ملكه، ويطمئن باله من هذه الناحية، يمكن أن يتجه إلى تحسين وسائل الإنتاج. وقد كان هذا من أكبر حوافز البشرية على التقدم والرقي.
فتحريم السرقة كذلك أمر لا يحتاج إلى جدال [2] .
وإنما يكثر الجدل بشأن تحريم الزنا؛ ويأتي الجدل من الغرب المنحل، ومن بريقه الخاطف الذي يفسد أعصاب المحرومين والمنحلين في الشرق، فيفتحون عيونهم مبهورين، ويسيل لعابهم إلى الإباحية الحيوانية، كا يسيل لعاب الكلب على الطعام.
لماذا يحرم الزنا، ويكبت الناس دوافعهم الغريزية التي تريد أن تنطلق، والتي لا بد أن تنطلق، شئنا أم أبينا، وأقمنا الحواجز أم حطمناها؟ لماذا لا نرضى بالأمر الواقع، ونكون معقولين، بدلًا من هذا النفاق الاجتماعي البغيض! إن كل واحد فينا بينه وبين نفسه يشتهي .. وكل واحد يعرف أنها شهوة لذيذة تأخذ بالألباب. فلماذا .. لماذا بالله تحرمونها أيها المتأخرون .. المنافقون؟!
وقد أفردنا فصلًا خالصًا للمشكلة الجنسية من جميع نواحيها. ولكني أحسب أنني تحدثت بما فيه الكفاية عن نتيجة الفوضى الخلقية، وكيف تنخر في كيان الأمة كالسوس، وأن آثارها البغيضة قد تخفى جيلًا أو بضعة أجيال ولكنها تظهر لا محالة في آخر الأمر؛ وتظهر بصورة فتاكة مدمرة، تقضي على كيان الشعب كله في فترة وجيزة. كما ينهار في لحظة واحدة بناء بيت كامل حين يتخلخل الأساس.
وشواهد التاريخ كلها تثبت هذه الحقيقة بصفة مؤكدة. لم تشذ أمة في الأرض عن هذا المصير حين أدت إليه مسبباته الطبيعية:"سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا".
وإنه للبله وقصر النظر هو الذي يدعو شخصًا أن يقول: ومن أدراني أن الكارثة ستحدث في هذا الجيل، أو تصيبني أنا بالذات من بين المصابين؟ فلأستمتع. ولأمض إلى آخر الشوط، وليكن بعد ذلك ما يكون ...
(1) لعل الترتيب الطبيعي أن نتحدث عن جريمة الزنا بعد القتل. فغريزة الجنس هي التالية في الترتيب لحفظ الذات. وقد تمشى الإسلام في تقرير العقوبة مع هذا الترتيب التنازلي. ولكني أخرتها فقط لأن القتل والسرقة لا يثور الجدل بشأنهما كما يثور بشأن الزنا، فأردت أن أرجئ ما يحتاج إلى جدل، إلى ما بعد البديهيات المسلم بها.
(2) يقول الشيوعيون: إن السرقة لا تنشأ إلا في المجتمع الإقطاعي أو الرأسمالي الذي يزاول الملكية الفردية، وإنه حين تلغى الملكية الفردية تلغى جريمة السرقة في ذات الوقت ولا نحتاج لوضع العقوبة لها. وقد تحدثت في كتاب"شبهات حول الإسلام"عن الملكية الفردية بما يثبت أنها نزعة فطرية أصيلة لا ينبغي مقاومتها ولا كبتها، خاصة وأنه يمكن تهذيبها بحيث يتحقق منها الخير ويمتنع الشر إلى أقصى حد. وقد عرضنا هنا في هذا الفصل كيف يعالج الإسلام أمر السرقة بما يحقق العدالة الكاملة.