الصفحة 104 من 162

وسنناقش في فصل"القيم العليا"آراء فرويد في هذا الشأن بشيء من التفصيل. ولا يمنعنا هذا من أن نقول هنا: إن الجانب الخيّر المشرق من الإنسانية قد وجد فعلًا، مهما يكن السبب الأول في نشأته، وإن الإنسانية -في مجموعها- لم تعد تتجه إلى الجريمة. وإنه لو ترك الناس أحرارًا من كل قيد -الآن- لما أقبلوا- كلهم- يتقاتلون كالوحوش. وإنما سيبقى جانب منهم، كثير أو قليل، يميل إلى السلام وينفر من الجريمة.

بل نعود إلى قصة ابني آدم ذاتها كما وردت في القرآن، والكتب السابقة، وكما روتها أقاصيص الأمم قبل ذلك، فنرى أنها تثبت اعتداء واحد منهما على الآخر، وامتناع الثاني عن ارتكاب الجريمة. يقول القرآن في ذلك:"قال لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك". فمنذ الإنسانية الأولى إذن كان هناك من يترفع عن الجريمة وينفر من ارتكابها.

ويتفكه بعضهم تعليقًا على هذه القصة فيقولون: إن الأخ الشرير قد قتل أخاه الخيّر، فجاء نسل البشرية كلها بعد ذلك من هذا الشرير! وتمشيًا مع الفكاهة نقول: إن البشرية مزيج من نسل هذا وذاك، فهي إذن مزيج من الخير والشر، وقد يرث أحد الأحفاد قسطًا أكبر من طباع هذا الجد أو ذاك فيكون مجرمًا، أو يكون من القديسين!

ونعود إلى فرويد. فهو لا يكتفي بتلويث الإنسانية في نشأتها الأولى. ولكنه يتعقبها إلى هذه اللحظة، فيقول: إن مركب أوديب، أي عشق الأم، هو السبب في كل جريمة، إذا لم يتغلب عليه الصبي في الوقت المناسب"فيكبته"وينشئ مكانه الفضائل والأخلاق!

ونحن على أي حال نحاسبه بأقواله! فهو يقر بأن الغالبية العظمى من الأطفال تتغلب على هذه العقدة بطريقة طبيعية، وأن الشواذ فقط هم الذين يخفقون في ذلك، فينحرفون إلى الاضطرابات العصبية والنفسية .. وإلى الإجرام.

الحمد لله! ليس كل الناس إذن مجرمين! والجريمة -في جميع أحوالها- شذوذ عن الطريقة السوية، وليست أصلًا من الأصول.

يحرص الإسلام أشد الحرص على أمن الجماعة وسلامتها. فهذا هو الطريق الوحيد الذي يكفل لجميع الأفراد أكبر قسط من السعادة في الحياة. وليس في وسع أي نظام أن يضمن للأفراد سعادتهم وطمأنينتهم من طريق آخر غير الحرص على كيان الجماعة واستقرارها، تبعًا للبديهية التي ذكرناها من قبل وهي أن الجماعة هي مجموع الأفراد.

وكل الجرائم التي حرمها الإسلام هي أعمال تفسد أمن المجتمع، وتؤدي -لو تركت وشأنها- إلى اضطراب الأمور، وإشاعة الفوضىى والقلق في النفوس.

فكيف يعيش الناس آمنين، وكيف ينشطون إلى أعمالهم التي تعود عليهم بالخير، وعلى الإنسانية كلها بالرخاء والتقدم، إذا أبيحت مثلًا حرية القتل؟

ولا نحتاج إلى بيان تلك البديهية. ومع ذلك فلا بأس من ذكر هذه الحقيقة التاريخية، وهي أن كل الفترات التي ساد فيها الاضطراب، وتقوض فيها الأمن، كانت فترات تأخر في تاريخ البشرية. وأن العلوم والفنون، والحضارة بوجه عام، لم تتقدم إلا في الشعوب التي استقرت فيها الأمور. وذلك طبيعي من الوجهة النفسية، لأن الفرد الذي يتوجه بكل همه إلى حماية شخصه وأهله من الاعتداء، لا يبقى لديه من الطاقة ما ينفقه في علم أو فن، بل لا يتجه إلى ذلك ولو وجد فضلًا من الطاقة. ويقول علماء النفس في ذلك: إن الغرائز أو النزعات الفطرية لا تنشط إلى العمل، إلا بعد أن تطمئن الغريزة الأولى. وهي غريزة حفظ الذات.

فتحريم القتل بديهية لا تحتاج إلى مبررات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت