وإنما الحقيقية أن الجفاء الذي يتسم به الغرب المادي، لقيام علاقاته على غير روح الود الإنساني فترات طويلة من التاريخ، يحتاج إلى"مليّن"صناعي، يذيب هذه القشرة الجامدة التي كونّنها الصراع على لقمة العيش، ويصل إلى القرار الإنساني المطمور تحت الركام.
أما المجتمع الشرقي أو الإسلامي فإنسانيته دائمًا حاضرة، طافحة على السطح، وعميقة في الضمير. فهو لا يلجأ إلى الخمر إلا هروبًا من الملل المخيم على القصور، أو هروبًا من الواقع السيء الذي ظلت تعانيه الشعوب في سياسة الحكم والمال، آمادًا متطاولة، وما زالت حتى اليوم تعانيه.
والنظام الإسلامي الصحيح مكلف بإعادة التوازن إلى المجتمع كلما جنح إلى الاختلال. ومكلف بإيجاد عمل للمتعطلين، سواء من سكان القصور الفارغين، أو من الشعب الفقير. وبذلك تنتفي الحاجة القاسية والفراغ الممل.
والتربية الإسلامية كذلك، بما تبثه في القلوب من تراحم وتعاطف، لا تجعل أحدًا يركبه الهم إلى الدرجة التي تلجئه إلى الهروب من الواقع، دون أن يناله من عطف الآخرين ورحمتهم ما يخفف عنه، ويرده إلى البِشْر والتطلع والرجاء. وفوق ذلك فالإسلام يعالج جفوة الحياة وتجهمها بالإشراقة الروحية التي تبعثها العبادة، وإن كان لا يستحب أن تشغل العبادة أحدًا عن عمله الذي يرتزق منه، ولا عن الصحو الواجب للمؤمن المجاهد في سبيل الله.
ومع ذلك فحين يوجد -رغم كل احتياط- من تلجئه حالة نفسية أو جسدية إلى شرب الخمر، فهو لا يعاقب -في الحياة الدنيا- على مجرد شربها، وإنما يعاقب على الجهر بذلك بحيث يراه الناس. وتلك جريمة أخرى مضافة إلى الشراب. لأنها تعدي بالقدوة السيئة وتغري بالاستهتار.
أما الشارب المتستر، فحسبه عذاب الآخرة، إذا لم يتب إلى الله. والواقع أنه إذا لم يتب، فسوف يصل إلى الإدمان، والمدن لا يستطيع أن يضبط نفسه، فيصل في النهاية إلى العلانية التي توجب العقاب.
أما المرتد فلست أدري كيف أبحث له عن مبررات!
غاية ما أستطيع أن أقول: إنها نوبة من الشك تنتاب الفرد، فيشك في إلهه وفي كل ما حوله، حتى نفسه! أي أنها أزمة نفسية، دائمة أو موقوتة. أو خلل نفسي يؤدي إلى خلل في التفكير. هذا طبعًا إذا أحسنّا الظن. وإلا فإن الرغبة في الانفلات من القيود، كامنة دائمًا وراء هذا التحايل الفكري، مقصودًا كان أو غير مقصود.
والمجتمع الإسلامي يربي أفراده على الإيمان، ويطبع في نفوسهم الطمأنينة إلى الله، والتوجه إليه دائمًا في كل مشكلة؛ ويعقد بين العبد والرب صلة وثيقة من الحب والرجاء، تنتفي معها الأزمات الروحية التي تثور في نفوس المتشككين. ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى النصيحة قبل توقيع العقوبة.
وعلى أي حال فالمرتد الذي يبقي أفكاره لنفسه ولا يذيعها في المجتمع، لا يناله العقاب في الدنيا، لسبب بسيط، هو أن أحدًا لن يعرف به. وإنما يعاقب المجتمع دائمًا على الجهر بالجريمة، لأن فيه خطر العدوى، وهو خطر يقوض أركان المجتمع في النهاية.
أما المرتد المستتر، فقد يعود فيهتدي. فيتوب الله عليه. وإلا فعذاب الآخرة للكافرين.
والإفساد في الأرض هو مجموع الجرائم السابقة كلها، وإنما يزيد عليها أن مرتكبيها ليسوا أفرادًا متفرقين، بل عصابات مجتمعة، تقدر على"كميات"من الشر لا يقدر عليها شخص بمفرده.
ولا يمكن أن تقوم المبررات للإفساد في الأرض إلا في المجتمع المختل، الذي لا يجد فيه الناس العمل الشريف، أو الكسب المجزي على العمل الشريف.
والمجتمع الإسلامي الحق مكلف بأن يمنع تلك الحالة من الوقوع، وبمعالجتها إذا وقعت، بإعادة التوازن إلى المجتمع، فعندئذ لا توجد المبررات، ويحق العقاب على المفسدين.