وقوله تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ..} [الأنبياء:94] ربط العمل الصالح بالإيمان،لأنه مُنطلَق المؤمن في كُلِّ ما يأتي وفي كُلِّ ما يدع؛ لينال بعمله سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
أمّا مَنْ يعمل الصالح لذات الصلاح ومن منطلق الإنسانية والمروءة،ولا يخلو هذا كله في النهاية عن أهواء وأغراض،فليأخذ نصيبه في الدنيا،ويحظى فيها بالتكريم والسيادة والسُّمْعة،وليس له نصيب في ثواب الآخرة؛ لأنه فَعَل الخير وليس في باله الله.
والحق سبحانه يعطينا مثالًا لذلك في قوله تعالى: { الَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ..} [ النور:39] .
يعني:فوجئ بوجود إله يحاسبه ويجازيه،وهذه مسألة لم تكُنْ على باله،فيقول له:عملتَ ليقال وقد قيل.وانتهت المسألة؛ لذلك يقول تعالى: { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ..} [الشورى:20] أي:نعطيه أجره في عالم آخر لا نهاية له { وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } [الشورى:20] .لأنه عَمِلَ للناس،فليأخذ أجره منهم،يُخلِّدون ذكراه،ويُقيمون له المعارض والتماثيل..الخ.
وقوله تعالى: { فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ..} [الأنبياء:94] يعني:لا نبخسه حَقَّه ولا نجحد سَعْيه أبدًا { وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } [الأنبياء:94] نسجِّل له أعماله ونحفظها،والمفروض أن الإنسان هو الذي يُسجِّل لنفسه،فإنْ سجَّل لك عملَك ربُّك الذي يُثيبك عليه،وسجَّله على نفسه،فلا شكَّ أنه تسجيل دقيق لا يبخسك مثقال ذرة من عملك. [1]
إن الإيمان هو قاعدة الحياة،لأنه الصلة الحقيقية بين الإنسان وهذا الوجود،والرابطة التي تشد الوجود بما فيه ومن فيه إلى خالقه الواحد،وترده إلى الناموس الواحد الذي ارتضاه،ولا بد من القاعدة ليقوم البناء.والعمل الصالح هو هذا البناء.فهو منهار من أساسه ما لم يقم على قاعدته.
(1) - تفسير الشعراوي - ( / 2559)