الخندق، والخندق وسيلة حربية مجوسية، أخذها سلمان من أهل فارس، لم يكن للعرب عهد ولا علم بها آنذاك، وهنا نأتي لما عرف في عصرنا بصراع الحضارات، ينبغي أن يفرق أهل التقوى ما بين التقارب الديني، وما بين التقارب الحضاري.
الدين يا أخي صنع إلهي، لا يملك أحد أن يزيد فيه وينقص، والحضارة صنع إنساني قابلة للزيادة والنقصان، قابلة للأخذ والعطاء، قابلة للتلاقح بين الأمم، إذا تقاربت وتنافست!
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل مشورة سلمان، وعمل الخندق لما رأى فيه مصلحة يقوم به صلاح أمته، ولم يقل - صلى الله عليه وسلم - حينها: «من تشبه بقوم فهو منهم» ، من تشبه بقوم فهو منهم محمول على من تشبه بهم في أمور الدين، أما الصناعات الإنسانية فليست ملكًا لأحد، ولقد كانت العرب لا تأتي المرأة وهي مرضع خوفًا من أن يؤثر الإتيان على الرضيع، فلما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن فارس والروم تصنع ذلك، ولا يضر أبناءها شيئًا لم ينه أمته عنه كما روى مسلم في الصحيح من حديث جابر - رضي الله عنه -، فالحضارات حق مفتوح، وأمر مشاع، يجوز للأمة أن تأخذ منه إذا رأت في ذلك مصلحتها، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، أما الدين فـ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] .
ما عندنا من الدين يمنعنا أن نأخذ ولو قطرة من سقاء من أي دين أو ملةٍ على وجه الأرض؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ