يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ. يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي» [1] .
إلا أنه قد يتأكد الأمر عليه أكثر، لأنه عرف أن هذا منكر وارتكبه، ويقول للناس لا ترتكبوه، وعرف أن هذا معروف وتركه، ويقول للناس افعلوه، فليس ثمة شك في أن هذا نقص، وأنه عيب، وليس خافيًا أن من وسائل الاستجابة امتثال الآمر بما يأمر، وانتهاؤه عما ينكر.
وفي مثله جاء قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}
[الصف: 2، 3] .
والحاصل: أنه يلزمه الأمر بالمعروف حتى وإن لم يمتثله، ويلزمه النهي عن المنكر وإن ارتكبه، ومن العار والعيب أن يبقى قوله مخالفًا لفعله.
الأساليب التي تستعمل في
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأساليب التي ينبغي أن تستعمل في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، كثيرة وواسعة، منها: ما سبق ذكره، مثل البداية بالأهم. ومثل توخي النفع بالأمر والنهي، وتغير الحال، وما إلى ذلك.
* إلا أنه ينبغي للمسلم أن يسبر الوقت الذي يعيش فيه، والحالة التي هو فيها، ومن سيواجه بالأمر بالمعروف، ويسبر حاله وتحمله فيما لو ضرب أن يعرف الوضع الذي يحبط به، ويعالج المنكر حسب الاستطاعة، وحسب الإمكان، فإن كان يحتاج لقوة فليستعمل القوة، وإن كان محتاجًا للتعريض استعمل التعريض.
وهذا موضوع واسع، لكن المؤمن الذي يتحرى في هذه الأشياء ويجتهد في القيام بالحق يهديه الله إليه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] .
وكلما كان الإنسان هاديًا، وكان مقربًا إلى قلوب الناس، وكان ملتزمًا داعيًا للخير، كان أدعى لقبول قوله وسماعه.
* ومن الأساليب اللين والتودد، يقول تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .
يبين لنا الله سبحانه وتعالى، أن اللين والتودد في الدعوة، وفي ألأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أمر مطلوب ما لم يكن فيه إهانة للعلم، وإهانة للأمر بالمعروف، وللنهي عن المنكر.
اللين مطلوب وقد مر معنا ما يدل على ذلك، وخير قدوة لنا في هذا المجال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فكان عليه الصلاة والسلام، كثيرًا ما يُعالج المنكر بأسلوب يتلاءم مع الوضع الذي فيه المنكر.
* ففي صحيح مسلم، عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: «بينما أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله [2] ، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه ما
(1) تفسير القرطبي: (6/ 253) .
(2) والله أعلم أنه لم يعرف أن النهي عن الكلام في الصلاة قد أمر الناس به، وأن الكلام في الصلاة قد نسخ ونهي الناس عنه، لأنه في أول الإسلام كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا عن ذلك.