الصفحة 43 من 46

فينبغي لكل أحد أن يشغل نفسه بأعمال الخير حتى لا تشتغل بهواها، ولا يهتمّ العاقل لأمر الدنيا، لأن الهَمَّ والحزْنَ لا يردّ المصيبة ولا ينفع، بل يضرّ بالقلب والعقل والبدن، ويخلُّ بأعمال الخير، ويهتمَّ لأمر الآخرة؛ لأنه ينفع، وترك ما يخل بعمل الخير ويشغل القلب شغلًا يخلّ بإحضار القلب في الصلاة، فإن ذلك القدر من الهمِّ والقصد من أعمال الآخرة.

ثانيًا: إنه لا بد لطالب العلم من تقليل العلائق الدنيوية بقدر الوسع، ولهذا اختاروا الغربة.

ثالثًا: لا بد من تحمّل النصب والمشقة في سفر التعلم كما قال موسى ( في سفر التعلم، ولم ينقل عنه ذلك في غيره من الأسفار: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: من الآية62] ، لِيُعلَم أن سفر العلم لا يخلو من التعب؛ لأن العلم أمرٌ عظيمٌ، وهو أفضلُ من الجهاد عند أكثر العلماء، والأجر على قدر التعب والنَّصب.

فمن صبر على ذلك، وجد لذّة تفوق سائر لذات الدنيا؛ ولذها كان محمد بن الحسن ( إذا سَهِرَ الليالي وانحلَّت له المشكلات، يقول:(( أين أبناء الملوك من هذه اللذات ) ).

سهري لتنقيح العلوم ألذّ لي

من وصل غانيةٍ وطيب عتاق

وتمايلي طربًا لحلِّ عويصةٍ

في الذهنِّ أبلغُ من مُدامة ساقي

وصرير أقلامي على صفحاتها

أشهى من الدُّوكاه والعُشاق

وألذّ من نقر الفتاة لدفها

نقري لألقي الرمل عن أوراقي

رابعأً: لا بد لطالب العلم ألا يشتغل بشيءٍ آخر غير العلم ولا يعرض عن الفقه، قال محمد بن الحسن (:(( صناعتنا هذه من المهد إلى اللحد ) )، فمن أراد أن يترك علمنا هذا ساعة فليتركه الساعة.

ودخل فقيه على أبي يوسف ( يعوده في مرض موته، وهو يَجُود بنفسه، فقال أبو يوسف ( له:(( رمي الجمار راكبًا أفضل، أم راجلًا؟ فلم يعرف الجواب! فأجاب بنفسه ) ).

وهكذا ينبغي للفقيه أن يشتغل به جميع أوقاته، فحينئذ يجد لذّة عظيمةً في ذلك.

كتاب الأسبوع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت