قال تعالى:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ"، فقد كان العدل من أهم ما يجب على هذه الأمة، بل هو من أعظم ما يميزها عن الأمم، ولم يكتف الحق تبارك وتعالى بإيجاب العدل على هذه الأمة، بل أراد منها أن تجعله خلقًا من أخلاقها، وصفة من صفاتها، وصبغة تصبغ بها من دون الناس، فأمرها أن تكون قائمة بالعدل بل قوامه به بين الناس، لله عز وجل، لا لأي شيء آخر فلا تحابي فيه قريبًا لقرابته ولا تضار عدوًا لعداوته.
قال تعالى:"كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المائدة، آية: 8) .
فالعدل الذي أمر به الله عز وجل في القرآن الكريم حق لكل الناس جميع الناس، لا عدل بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلًا مع أهل الكتاب دون سائر الناس، وإنما هو لكل إنسان بوصفه"إنسان"فهذه الصفة ـ صفة الناس ـ هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني، وهذه الصفة التي يلتقي عليها البشر جميعًا مؤمنين وكفارًا، أصدقاءً وأعداءً، سودًا وبيضًا عربًا وعجمًا، والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل ـ متى حكمت أمرهم [1] فالعدل من مقاصد القرآن الكريم ـ وأوجبه الله على المؤمنين به ولو كان مراغمة لعواطف البغض والعداوة،"وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى"، وهو كذلك واجب ولو كان فيه مراغمة لكافة عواطف الحب والمودة والقرابة"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ" (النساء، آية: 135) .
(1) أنظر: ظلال القرآن (2/ 414) .