والمقصود: بيان عظم شأن القرآن العظيم، وفساد رأي الكفرة، حيث لم يقدّروا قدره العلي، ولم يعدّوه من قبيل الآيات فاقترحوا غيره، مما أُوتي موسى وعيسى عليهما السلام .. فالمعنى:"لَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ"أي: بإنزاله أو بتلاوته عليها، وزعزعت عن مقارها كما فُعل ذلك بالطور لموسى عليه الصلاة والسلام"أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ"أي: شققت وجُعلت أنهارًا وعيونًا، كما فعل بالحجر حين ضربه عليه السلام بعصاه أو جعلت قطعًا متصدّعة أو"أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى"أي: بعد ما أحييت بقراءته عليها، كما أُحيت لعيسى عليه السلام، لكان هذا القرآن لكونه الغاية القصوى في الانطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى وهيبته [1] .
من مظاهر عظمة القرآن وعلو شأنه، أن الله تعالى تحدّى الإنس والجنَّ أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله أو بسورة مثله [2] .
قال تعالى:"قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء، آية: 88) .
وقال تعالى:"أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ" (هود، آية: 13 ـ 14) .
ومع ذلك كله، ما ثابوا إلى رشدهم، وما وجدوا ما يتكلمون به فعادوا لما نهوا عنه وقالوا:"أختلقه محمد عمدًا"، فاستدرجهم الله تعالى من حيث لا يعلمون ووصل بهم إلى غاية التّبكيت والخذلان وتحدّاهم أن يأتوا بسورة مثل القرآن فعجزوا.
(1) تفسير أبي السعود (5/ 21 ـ 22) .
(2) عظمة القرآن الكريم صـ 73.