والمعنى"وَكَذَلِكَ"حين أوحينا إلى الرسل قبلك"أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا"وهو: هذا القرآن العظيم، سمّاه روحًا، لأن الروح يحيا به الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير وهو محض منة الله على رسوله وعباده المؤمنين، من غير سبب منهم، ولهذا قال تعالى:"مَا كُنتَ تَدْرِي"أي: قبل نزوله عليك"مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ"أي: ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية بل كنت أميًا لا تخط ولا تقرأ، فجاءك هذا الروح الذي"جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا"يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم [1] .
قال تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ" (يونس، آية: 57) .
يعني: القرآن يتعظ به من قرأه وعرف معناه، يا أيها الناس قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية، الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها المرغبة في المحاسن والزاجرة عن المقابح.
قد جاءكم كتاب جامع لكل المواعظ أو الوصايا الحسنة التي تُصلح الأخلاق والأعمال وتزجر عن الفواحش، وتشفي الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد وتهدي إلى الحق واليقين والصراط المستقيم الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة [2] .
فكفى بالقرآن واعظًا، وكفى بالقرآن زاجرًا، وكفى بالقرآن هاديًا ومُذَكّرًا [3] .
سمّى الله عز وجل القرآن العظيم شفاءً في ثلاثة مواضع من كتابه وهي:
ـ قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ" (يونس، آية: 57) .
(1) المصدر نفسه (4/ 434 ـ 435) .
(2) التفسير المنير في العقيدة والشريعة، وهبة الزجيلي (6/ 213) .
(3) عظمة القرآن الكريم صـ 173.