فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 342

أي أن الله سبحانه كان عالمًا بأحوال ذي القرنين مطلعًا على حركاته، محيطًا بأخباره وأخبار جيشه، فما يسيرون خطوة إلا بإذن الله، ولا يتحركون حركة إلا بمشيئة الله، ولا يكسبون معركة أو يحتلون بلدًا إلا والله عالم بهم مطلع عليهم، خبير بهم ونقف لنتساءل عن الحكمة عن ذكر حقيقة إحاطة الله بأخبار ذي القرنين وجيشه وعلمه بها أثناء حديثه عن فتوحاته؟ إن الحكمة التي قد تبدو لنا هي: حرص القرآن على ربط كل ما يحدث في الكون بإرادة الله ومشيئته وعلمه سبحانه حتى لا ينسى الناس هذه الحقيقة وهم يتابعون الأحداث وحتى لا يظنوا أن الناس يتحركون بها بقدراتهم الذاتية، بمعزل عن علم الله وإذنه، فها هو ذو القرنين قام بفتوحات عظيمة، في الجبهة الغربية ثم في الجبهة الشرقية وقام بإنجازات عظيمة في الجبهة الشمالية، لكن الله مطلع على أعماله، محيط بأخباره، عالم بإنجازاته وهو مقدّر لها ومريد لها سبحانه [1] .

إن قصة ذي القرنين تدل على وجوب الأخذ بالأسباب وبيان أن ذلك ضروري للنهوض الحضاري للأمم، وقد قدم القرآن الكريم"ذا القرنين"أنموذجًا متجسدًا لربط الأسباب بالمسببات والمقدمات بالنتائج واعتبر ذلك مقدمة لابد منها للنهوض والإنجاز الحضاري وبذلك لم يكتف القرآن بتأكيد موضوع السنن والأسباب نظريًا، لقد مكن الله له في الأرض فأعطاه سلطانًا وطيد الدعائم ويسّر له أسباب الحكم والفتح وأسباب البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع، وسائر ما هو من شأن البشر أن يمكنوا فيه في هذه الحياة"فَأَتْبَعَ سَبَبًا" (الكهف، آية: 85) .

(1) مع قصص السابقين في القرآن (2/ 325) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت