ونحن شببه متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان رقيقًا [1] رحيمًا، فقال: (( ارْجِعُوا إلى أهْلِيكُمْ فعَلِّمُوهم ومُرُوهُم، وصَلُّوا كَمَا رأيْتُمونِي أصَلِّي، وإذَا حَضَرتِ الصَّلاة فليؤذِّنْ لَكُمْ أحَدَكُم، ثمَّ ليؤُمَّكُمْ أكبَرُكُم ) ) [2] .
وانظر إلى شفقته - صلى الله عليه وسلم - لما طلع عليه مصعب بن عمير - رضي الله عنه - - وما كان بمكة أحسن منه ولا أنعم نعمة منه - وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم [3] .
وهذا أنس بن مالك - رضي الله عنه - يروي حاله مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول: خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، فما قال لي أفٍّ [4] قط، وما قال لشيء صنعته، لِمَ صنعته؟! ولا لشيء تركته: لمَ تركته؟! وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحسن الناس خُلقًا، ولا مسست خزًّا قط [5] ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قط، ولا
(1) رقيقًا: من الرقة. وفي بعض الروايات رفيقًا من الرفق. ابن حجر، فتح الباري (10/ 438) .
(2) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم (4/ 93) حديث (6008) .
(3) انظر: ابن الأثير، أسد الغابة (4/ 370) .
(4) كلمة تقال من كرب أو ضجر. الفيروزآبادي، القاموس المحيط (3/ 117) ، مادة (أف) .
(5) الخز: ثياب تعمل من صوف وإبريسم. والإبريسم هو الحرير. ابن منظور، لسان العرب (5/ 345) مادة (خزز) .