وفي آخر الحوار قال لهم ذلك العالم البصير: لو كنت مكانكم لحكمت على نفسي بالكفر ولكنكم جهال!! فعذرهم بجهلهم - وهم يرون أنفسهم أنهم من أعلم الناس، إلا أن ذلك العلم لم يخرجهم من عداد الجهال في نظر شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنهم إنما تعلموا وتبحروا في آراء الرجال وفلسفة اليونان، وأما بالنسبة لعلم الكتاب والسنة فهم في حكم الجهال، ولذا عذرهم الإمام رحمه الله. فيظهر جليًا من هذا الموقف أنه ممن يعذر الجاهل، والمجتهد، والمخطئ جتى في باب أصول الدين.
أنظر: الصفات الإلهية، ص355، بتصرف.
ويقول الشيخ ابن العثيمين - رحمه الله:"للحكم بتكفير المسلم شرطان:"
أحدهما: أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر.
الثاني: انطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالمًا بذلك قاصدًا له، فإن كان جاهلًا لم يكفر. لقوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} . وقوله: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} وقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .
لكن إن فرط بترك التعلم والتبين، لم يعذر، مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفر فلا يتثبت، ولا يبحث فإنه لا يكون معذورًا حينئذ.
وإن كان غير قاصد لعمل ما يكفر لم يكفر بذلك، مثل أن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومثل أن ينغلق فكره فلا يدري ما يقول لشدة فرح ونحوه، كقول صاحب البعير الذي أضلها، ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطامها متعلقًا بالشجرة فأخذه، وقال:"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"أخطأ من شدة الفرح.
لكن من عمل شيئًا مكفرًا مازحًا فإنه يكفر لأنه قصد ذلك، كما نص عليه أهل العلم"."
أنظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن العثيمين، رقم 220.
إذًا، فإننا أهل السنة والجماعة، لا نتحرج في مسألة التكفير. فمسلكنا في مسألة التكفير وسط؛ بين المرجئة والخوارج. فنحن لا نتسرع في إطلاق التكفير؛ فنكفر بالكبيرة كالخوارج. ولا نمنع التكفير بالبتة؛ كالمرجئة. فمسلكنا في مسألة التكفير وسط بين الفريقين، وهذا بفضل الله ومنته بأن هدانا لما اختلف فيه من الحق بإذنه.
فإن الذي عليه نحن أهل السنة والجماعة في إن للتكفير موانع أربعة، وهي: الجهل، والخطأ، والتأويل أو الشبهة، والإكراه. فمن وقع في كفر عملًا أو قولًا ثم أقيمت عليه الحجة وبين له أن هذا كفر يخرج من الملة فأصر على فعله طائعًا غير مكره، متعمدًا غير مخطئ ولا متأول، فإن الكفر يقع عليه ولو كان الدافع لذلك الشهوة أو أي غرض دنيوي. وفي ذلك أسس أهل السنة والجماعة قاعدة عظيمة في مسألة التكفير وهي:"ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه". وهذا ما عليه أهل الحق وعليه ظاهرين إلى قيام الساعة إن شاء الله.
أخوك/ أبو إبراهيم الرئيسي
هذا رد أحد الأخوة علي عند سؤالي عن الأشاعرة في منتدى أنا المسلم