و بدهي أن قواعد العلوم الإسلامية كلِّها (من علوم القرآن، و السنة، و اللغة) لم تثبت و تشتد، ليصدُر عنها المتخصصون الأقيال، و يُفيدوا منها، تعلُّمًا و تعليمًا، و أخذا و ردًّا، و بحثًا و استقراءً، في شُموليَّة واعيَة، حتى لا تَكاد تشذُّ منها شاذَّةٌ، إلا وقد طوَّقها من كلِّ جهاتها نصوصٌ من الكتاب و السُّنة، فمن أتاها بزيادةٍ أو نقصٍ فقد ثَلَم الإجمَاع الَّذي رضيته طوائف عُلماء الأمَّة في شتَّى الأعصار و القرون، و إنما الأمَّة بعلمائها، فما رَضيَه العلماء و استقرَّ إجماعُهم عليه، فهو الَّذي رَضِيَته الأمَّة، و الأمَّة"لا تجتمعُ على ضلالةٍ"، و هي بهذا المُحدث في واحدٍ من أصلَيْ الأصُول، و هو السُّنَّة:"مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"؟! و هو من المشَاقَّة لله و للرَّسول: {و مَن يُشاقق الرَّسول من بعد ما تبيَّن له الهدى و يتَّبع غير سبيل المؤمنين نولِّه مَا تولَّى و نُصلِه جهنَّمَ و ساءت مصيرًا} [النساء:115] ، فلمَاذا إذًا هذا الَّتجرُّؤ عَلَى قواعد علم السُّنَّة، و قد حفظَها الله لنا هذه القُرون بها، كما حَفظ لنا كتابَه العزيز؟!
و قد أنَالَنَا بها من رحمتِه مَا أنالنا نحنُ في هذا القرن، على ما كانت و استقرَّت عليه في القرون الغَابرة، و جرى العمل بها، و لا أحسبُ إلاَّ أنَّ هذه القواعد إنما أخذت بدايتُها و مَطالعها من نهج القَرن الأول، و لم يأت القَرنُ الراَّبعُ إلاَّ و قد استوفى علمُ السُّنَّة غايتَه منها، و غدَت السُّنَّة بها مَكلوءةً أن تُؤخذ على غَرَّة.
و هَا أنا ذا بعد أن سلختُ من عُمري قُرابة السِّتِّين عَامًا؛ ماشيا في ركاب هذا العلم الشَّريف، أعود بالنَّظر و التهذيب و التَّقْريب فيه، و كأني لا زلتُ على أوَّل مَدْرجته، لذا فإني ناصحٌ أمين لطلاَّب العلم الشُّداَاة بثلاثٍ:
2 -أن يتعلموا العلم لأنفُسهم.
2 -و أن يكون هو شَاغلَهم و همَّهم.