رابعًا: قول عبيد بن جبير: (( ثم قرب غداءه ) )، فإن فيه إشارة إلى أن الخروج و الأكل كان غدوة و هي ما بين صلاة الفجر و طلوع الشمس كما نقله الشيخ نفسه عن القاموس، فإذا ثبت هذا فلا أدري ما وجه تأييد الشيخ ما ذهب إليه في تأويل الحديث من المعنى بقول عبيد هذا؟ لأن أكل أبي بصرة سواء كان في أول النهار - و هو بعد الفجر - أو كان بعد طلوع الشمس، فلا يؤيد بوجه من الوجوه قول الشيخ أن الخروج كان قبل الفجر.
فإذا تأمل العاقل في هذه الوجوه الأربعة تبين له دون أي شك أن الحديث حجة نيرة على جواز الإفطار المختلف فيه و أنه في ذلك كحديث أنس رضي الله عنه، و قد صرح بذلك المحقق الشوكاني في (( نيل الأوطار ) ) (4/ 195) .
الخلاصة:
و خلاصة القول أن الشيخ أخطأ في رده في عدة أمور:
1 -تضعيفه لحديث أنس و هو صحيح كما تقتضيه قواعد علم الحديث.
2 -إعراضه عن تقليد من صححه مع أنهم أكثر ممن ضعفه و هذا خلاف المفروض في المقلدين و منطقهم الذي من عادته أن يحتج بالكثرة و السواد الأعظم!
3 -تضعيفه لحديث أبي بصرة، و هو صحيح على مقتضى منهجه في التصحيح.
4 -إعراضه عن الاستشهاد به مع أنه صالح لذلك عنده.
5 -كتمه لحديث دحية، مع أنه صحيح أيضًا على منهجه، و ما ذلك إلا لأنه صريح الدلالة على خلاف مذهبه!
6 -غفلته عن تأييد القرآن للأحاديث الثلاثة.
7 -غفلته أيضًا عن الآثار المؤيدة لها، و بعضها عن عمر الفاروق رضي الله عنه.
الخاتمة:
و لذلك فأني أختم هذه الكلمة بأن أرجو من فضيلة الشيخ الحبشي أن يعيد النظر في موقفه من هذا الحديث و ما تضمنه من الحكم الذي شهد له القرآن الكريم، مذكرًا له بقوله تعالى فيه: (فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت و يسلموا تسليما) ، (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم، و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه، و أنه إليه تحشرون) .