وأما تقليد المسلم من هو أعلم منه حين لا يجد نصًا عن الله ورسوله، أو حين لا يمكن الفهم عنهما فليس مما نحن فيه، بل لا يتصور أن يقول بتحريمه مسلم، لأنه مضطر إليه، والضرورات تبيح المحظورات، ولولا ذلك لصار الدين هوى متبعًا -والعياذ بالله تعالى-. ولهذا ذكر العلماء:"إن التقليد إنما يباح للمضطر، وأما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد، فهو كمن عدل إلى الميتة مع قدرته على المذكى، فإن الأصل أن لا يقبل قول الغير إلا بدليل إلا عند الضرورة" (16) .
10 -الفرق بين التقليد والاتباع:
ولا يليق بالعاقل البصير في دينه أن يفهم مما سبق من بيان تحريم التقليد، أن الاجتهاد واجب على كل مسلم مهما كان شأنه في العلم والفهم، فإنه خطأ بين، ويظهر أن الشيخ سبق إليه هذا الفهم مما بلغه من تحريم دعاة السنة للتقليد، فاستلزم من ذلك أنهم يوجبون الاجتهاد على كل مسلم، مهما كانت منزلته في العلم، وذلك واضح من كلمته في هذه الفقرة وهو قوله:"وجب عليه الاجتهاد وحرم عليه التقليد"فجعل الاجتهاد مقابل التقليد! وهذا خطأ بين عندنا، لأن الذي يقابل التقليد المحرم، هو الاتباع الواجب على كل مسلم، وبينهما فرة ظاهر، قال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي:
"التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما يثبت عليه حجة، وقال في موضع آخر: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ، والتقليد ممنوع" (17) .