ومما يدلك على هذا أن الصحابة رضي الله عنهم لما استسقوا في زمن عمر، توسلوا بعمه صلى الله عليه وسلم العباس، ولم يتوسلوا به صلى الله عليه وسلم، وما ذلك إلا لأنهم يعلمون معنى التوسل المشروع، وهو ما ذكرناه من التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم ولذلك توسلوا بعده صلى الله عليه وسلم بدعاء عمه، لأنه ممكن ومشروع، وكذلك لم ينقل أن أحدًا من العميان توسل بدعاء ذلك الأعمى، وذلك لأن السر ليس في قول الأعمى: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة .... ) ، وإنما السر الأكبر في دعائه صلى الله عليه وسلم له كما يقتضيه وعده صلى الله عليه وسلم إياه بالدعاء له، ويشعر به قوله في دعائه: (اللهم فشفعه في) ، أي: أقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم، أي: دعاءه في، (وشفعني فيه) ، أي: اقبل شفاعتي، أي: دعائي في قبول دعائه صلى الله عليه وسلم في.
فموضوع الحديث كله يدور حول الدعاء، كما يتضح للقاريء الكريم بهذا الشرح الموجز، فلا علاقة للحديث بالتوسل المبتدع، ولهذا أنكره الإمام أبوحنيفة، فقال: (أكره أن يسأل الله إلا بالله) كما في"الدر المختار"، وغيره من كتب الحنفية.
وأما قول الكوثري في"مقالاته": (وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكورة في أوائل تاريخ الخطيب بسند صحيح) .
فمن مبالغاته، بل مغالطاته، فإنه يشير بذلك إلى ما أخرجه الخطيب من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: (إني لأتبرك بأني حنيفة، وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائرًا - فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقتضى) ، فهذه رواية ضعيفة، بل باطلة.