ـ [أبو طلحة العتيبي] ــــــــ [20 - 01 - 09, 01:57 م] ـ
بيني وبين الدكتور نزار الريان
عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق
الدكتور الراحل العلامة نزار الريان، شخصٌ نال عندي منزلةً رفيعة، وآثرْتُه بحبٍّ كبيرٍ، لا لشيءٍ سِوى أنني رأيتُ رجلًا جمع الله فيه من خصال الكمال ما تفرَّقَ في الكثيرين، لم أعرفه عن قربٍ، ولكن أحاديثه تنبئ عنه وتُخبرُ عن كُنه حقائقه، رجلًا عالمًا، أضاف إلى علمه حِلمًا و عقلًا، و قليلٌ من العلماءِ من هو كذلك.
كانت البداية أن أضافني عنده في برنامج المحادثة"الماسنجر"، إضافةٌ من رجلٍ لا يعرف عني شيئًا، سوى ذكر بلغه، ولا أعرف عنه شيئًا سوى ذكر بلغني، ولكن ما إن كان التواصلُ حتى بدا بيننا حديث الودِّ والإلْفِ، ولا زلتُ أعجبُ من ذاك التواضع الكبير الذي جعله يُضيف شخصًا ليس شيئًا، حتى الساعةَ أتعجبُ منه كلما مرَّ شريط ذكريات الحديثِ معه.
متمتعٌ بهمةٍ عاليةٍ، رأيتها في حديثي معه في برنامج المحادثة فقد كان يذكرُ لكلامه ما يُوثقه من نقلٍ عن سابقٍ، ولا يطمئن حتى يُتبعَ ذلك بالعزوِ للمصدرِ الذي نقلَ منه، ومجالس المذاكرات يُتساهَلُ فيها، ولكنه جادٌّ والجادُّ لا يرنو نحْوَ التساهُلِ في حالٍ.
"استفدتُ في السجنِ الفِقْهَيْن؛ فقه اللغةِ، وفقهِ الأحناف، فقد أفاداني كثيرًا في العلم"نزار الريان ..
كنتُ معه في كلام عن اللغةِ، ومدى أهمية توظيفها واستعمالها في أحاديثنا، لم نكن جميعًا نقصد الإعرابَ للكلامِ ولا صرفَه، بل كنا نقصدُ استعمال ألفاظ العربيةِ والتعمُّقِ في أسرارها، ليعرف الناسُ، وطلاب العلوم آكد، مدى استيعاب اللغةِ كثيرًا مما يريدون، حكى لي قصته في السجنِ وأنه استفاد منها أن قرأ في كتب فقه اللغة كثيرًا مما أطلعته قراءته على كنزٍ كان عنه غافلًا، وأنها عرَّفته كثيرًا من أسرارها والتي تعينه على فهم الشريعة، قال: قد استفدتُ ذلك جليَّا في شرحي لـ"مسلم"، ثم سردَ لي ما كتبَه عن كلمة"السنة"و تطورها الدلالي والاصطلاحي، ثم قال: أين سأحكي ذلك لولا تلك القراءة.
من فقه اللغةِ اللساني إلى الفقه الشرعي المتمكن في إعمالِ الرأي و توظيفِ العقلِ في فهم النصوص كان انتقاله في القراءة في كتب الأحناف، فأكسبته تلك القراءة فهمًا للنصوص أبعدَ مما كان يعتقد، و أن الأحناف لهم فضل كبيرٌ على فقهاء الشريعة، فقد نظروا إلى أبعادٍ كثيرة، وإن كان لا يوافقهم.
هذا الحالُ من رجلٍ يقبَع في السجن محصورًا مأسورًا، مُثابًا مأجورًا، يغتنم تلك الحالة بهذه التعمقات الفقهية، لهي حالة ليست إلا صورة نادرة، كان بإمكانه أن يُريح عقلَه قليلًا بقراءة مُلَح العلم ويستغنيَ عن عُقَدِه، ولكن الهمة معقودة في قائمة عرْش الكمالِ فأنَّى أن تُفَكَّ.
"وأظلمت المدينة"..
في محادثةٍ من تلك المحادثات الطاهرة معه، قبِلَه الله، تطرقنا لشيءٍ من الحديثِ عن السيرة النبوية، وأن السيرة لم تُصَغْ اليومَ كما هي متناسبة مع الزمان، والذي ينبغي لمن ملك قلمًا أن يُسيلَ حبرَه لكشف أسرار السيرة النبوية البانيةِ لحضارة الإنسانِ اليوم، فإنَّ السيرة معطاءة ولودٌ، وتتجددُ ولا تَخلق، ثم جاءَ ذكرُ كتابه"وأظلمت المدينة"، فأرسلَه إليَّ قبل أن يُطبَع طبعته الأخيرة في"دار المنهاج"، وقال: هي لك خاصةٌ من بين الناس، فلا تُخرجه لأحد حتى يُطبَع، وبعد زمنٍ أرسلَ غلافَ الكتابِ. أخبرتُه بأنَّ الكتابَ موطنُ دمعِ مُحبٍّ ليس إلا، وإنك لممنوحٌ مقامًا به.
قال: كتبته معتمدًا على ما صحَّ من خبرٍ، جامعًا وعظًا وعلمًا، ساردًا قصةً عظيمة، أتمنى أن أكون مجوِّدًا عملي.
طريقته في الجمع هذي مفيدة في التنويع الطرْحي للعلومِ، ولعله أدرك ذلك ففعل، فالكتاب سيُقرأ من عدة أطيافٍ و عدةِ أصنافٍ، فبالتنويعِ توفيرٌ لكلٍّ ما يريدُ، وإيجادٌ للبُغية، وهذه من فطائن اللبيب.
ذكرتُ له قِصةَ ما كتبت من مقامةٍ في السيرة، ولا أدري أأرسلتها له أم لا، فكلانا كان ذاهبًا على أن للسيرة حضورٌ مهمٌّ اليومَ في صورٍ لا تحصيها الأعداد، ولكن لا يعرفُ صورها إلا من عرفَ أبعادها.
"رضي الله عنكم"
هذه الكلمة قد تكون شعارًا له في حديثه، فما بين الكلماتِ يسوقها، وشبيهاتٌ لها، تنبئك عن رأفته ورقته، لم أكد أسمعها من أحد، لذلك كان متميزًا، ولعلَّها طبعه العام مع الناس كلهم، فكمال أدبه لا يرضى بالتخصيص إلا بموجبٍ.
كتب إليَّ بقصةٍ ظريفة جميلة بينه وبين الشهيد عبد الله عزام، قبلهما الله، قال: في ساقي جرح قديم جدا، كنت جالسا مع أستاذي عبد الله عزام - رحمه الله -، فرأيت في نفس الساق منه جرحا كأنه هو، قلت له: ما هذا؟
ونظر إلى جرحي، فقال: الأرواح جنود مجنده.
"كتبت في الأيام الماضية مقدمة كتاب الأنساب ضمنتها"الأنساب أصولها وقواعدها وفوائدها"نزار الريان."
كتب ذلك لي في 10/ 11/1429 ولا أعلم شيئًا، رجلٌ معطاءٌ، لا ينتهي عطاؤه، و عطاؤه شهيدُ مقاصدِ و غاياتٍ نبيلة، و الشهيد حيٌّ.
في ذاك التاريخ ذكر أمنية الحجِّ، و أخبرَ بشوقِ اللقاءِ، و لعلَّه قيَّدَه، بعد قيدِ التيسير، كما قال، نصًا: هذا إن خرجت غزة.
"نويت في رباطي القادم بعد ليال، أن يكون أجره لك إن شاء الله - تعالى -، فتكون نيتي من أول تلك الليلة: رباط هذه الليلة هبة لأخي في الله ثم أذكرك إن شاء الله - تعالى -"نزار الريان ..
الاثنين، 12/ 11/1429هـ
هذا تاريخ آخرِ محادثةٍ كانت بيننا، كانت محادثة ممتعة ملأها بتميُّزٍ في الفوائد العلمية، كعادتها و أمْيَز، افتتحها بكل أدبٍ وخُلُقٍ فذٍّ بتلك النية أعلاه.
هذا شيءٌ مما كان بيني و بين هذا الراحل الكبير، و أعرف تقصيري، و لكن الذاكرة لم تُسْعف تعبيرًا أكثر من ذا، و إنه لفي الذكر باقٍ، و إنَّ ما أذكره مما جرى معه من حديثٍ ممتعٍ، و رؤية لوجهه المنير، ليجعلني في شكٍّ من كونه رحلَ، و إنني لأحتسب بقاءَه، و أرجو في الآخرة لقاءَه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)