-لقد غلب على كثير من علماء قلب الجزيرة العربية قلة التأليف، وندرة التصنيف؛ تواضعًا، واشتغالًا بالتدريس في حِلَق الجوامع، ونحو ذلك، لكنّ بكرًا -مع إخباته وتواضعه- قد أدرك أهمية التصنيف، وعظيم أثره، فحرَّر وعلَّق، وكتب وحقَّق، وها هي ذي مؤلفاته البديعة ملء السمع والبصر، ورحم الله ابن الجوزي إذ يقول: (( رأيتُ من الرأي القويم أنَّ نفْع التصنيف أكثر من نفْع التعليم بالمشافهة؛ لأني أشافه في عمري عددًا من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي خلقًا لا يُحْصَوْن ما خُلقوا بعدُ، فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وُفِّق للتصنيف المفيد؛ فإنه ليس كل من صنَّف صنّف، وليس المقصود جمع شيء كيف كان، وإنما هي أسرار يُطْلِع الله -عز وجل- عليها من شاء من عباده، ويوفقه لكشفها، فيجمع ما فُرِّق، أو يرتِّب ما شُتِّت، أو يشرح ما أُهْمِل، هذا هو التصنيف المفيد ) ) [5] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=2264#_ftn5) .
-جاهد العلامة بكر أبو زيد بقلمه ولسانه، وسخَّر قلمه في الذبِّ عن حرمات الإسلام، كما عالج نوازل عصره ومستجدات أهل زمانه كما هو بيِّن في كتابه (فقه النوازل) .
يقول ابن تيمية في شأن هذا الجهاد: (( مجاهدة الكفار باللسان مشروعة من أول الأمر إلى آخره؛ فإنه إذا شُرِع جهادهم باليد فباللسان أَوْلى ) ) [6] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=2264#_ftn6) .
وقال أيضًا: (( وجوب بيان الإسلام وإعلامه ابتداءً ودفعًا لمن يطعن فيه أَوْلى من جهاد الكفار بالسيف ابتداءً ودفعًا ) ) [7] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=2264#_ftn7) .
فسطَّر العلامة بكر (الإبطال) في نقض مقالة دعاة وحدة الأديان، وصنَّف (حراسة الفضيلة) في هتك دعاة الرذيلة، كما ألَّف في التحذير من المدارس الأجنبية، وكشف كيدها وإفسادها، ودوَّن رسالة في التحذير من أعياد الكافرين ونحوها من الأعياد المبتدعة، وسمَّاها (عيد اليوبيل بدعة في الإسلام) ، وتصدَّى لأهل الأهواء والبدع كما في كتبه (تحريف النصوص من مآخذ أهل الأهواء في الاستدلال) و (براءة أهل السنة) وغيرها.
-لم يكن العلامة بكر مجاملًا ولا غافلًا عمّا وقع من متسنِّنة هذا العصر من تجاوزات ومآخذ، فإنه لما رأى تحزبًا للجماعات والحركات، ألّف رسالته (حكم الانتماء) ، ولما استحوذ وباء التصنيف، والولوغ في أعراض العلماء والدعاة، حرر رسالته (التصنيف بين الظن واليقين) ، ولما أصابت لوثة الإرجاء بعض المنتسبين لأهل السنة، وظهر من خلال كتب ورسائل؛ تصدّى لهم -مع بقية أعضاء اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية- عبر فتاوى محرَّرة في نقد هذه المؤلفات والتحذير منها، ولما رأى إغراقًا في مسألة دعاء ختم القرآن ألَّف رسالة صغيرة في مرويات ختم القرآن، وبيَّن عدم مشروعية ذلك.
بل إنّه -رحمه الله- تعقَّب هذا الوصف (( اللجنة الدائمة ) )مع أنه من أعضائها [8] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=2264#_ftn8) .
-ومن جوانب خصاله المغمورة في ثنايا كتبه ما كان عليه من قوة الحجة وسرعة البديهة، كما في هذه الواقعة التي دوَّنها -بشأن الرفض والانقباض من الجديد- حيث قال: (( ولما دخلت(عمّان البلقاء) عام 1407هـ، أراد بعض الحضور التنكيت على النجديين بأنهم حرّموا (الهاتف) لأنه سحر، فقلتُ: على رِسْلِكم؛ فإن من أوابد الشاميين تحريم المطابع لشيء فيه آية من القرآن العظيم؛ لأن الحروف كانت بواسطة الرصاص المذاب، ولا يجوز تعريض القرآن للنار، بل صدرت بالتحريم فتوى من (المشيخة التركية) كما في (( تاريخ مطبعة بولاق ) ). ومن أوابدهم: تحريم القهوة والشاي، وإباحة الدخان، كما ذكر الرحيباني الحنبلي رسالة لبعض الشاميين في ذلك في كتابه (( مطالب أولي النهى بشرح غاية المنتهى ) ). وفي مصر هُجِرت السيارة، وكان لا يركبها إلا السوقة، وهكذا )) [9] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=2264#_ftn9) .
والعلامة بكر -فيما نحسبه- إمام سنَّة وعالم رباني، فلم تعصف به المتغيرات، أو تجرفه التحولات، كما كان صاحب دعوات ومناجاة لله رب العالمين، كما يُلْمَح في مؤلفاته الكثيرة، ومن ذلك: ما في مقدمة كتابه (التأصيل) : (( اللهم امْنُنْ -وأنت المانُّ وحدك- على امرئ متذلِّل بين يديك، بصالح النية في العلم والعمل، والثبات على الإسلام والسنة إلى بلوغ الأجل [10] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=2264#_ftn10) .
فاللهم ارحم أبا عبدالله، وأكرم نُزُلَه، وارفع درجته في المهديين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)