قوله تعالى: {) خَالِدِينَ فِيهَا} أبدًا، ولا نزاع في هذا بين أهل السنة.
(لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) أي لا يطلبون عنها بدلًا، {حِوَلًا} أي: تحولا؛ لأن كل واحد راضٍ بما هو فيه من النعم، وكل واحد لا يرى أن أحدًا أكمل منه، وهذا من تمام النعيم، أنت مثلًا لو نزلت قصرًا منيفًا فيه من كل ما يبهج النفس، ولكنك ترى قصر فلان أعظم منه، هل يكمل سرورك؟
الجواب: من يريد الدنيا لا يكمل سروره، لأنه يرى أن غيره خير منه، لكن في الجنة، وإن كان الناس درجات، لكن النازل منهم - وليس فيهم نازل - يرى أنه لا أحد أنعم منه، عكس أهل النار، أهل النار يرى الواحد منهم أنه لا أحد أشد منه، وأنه أشدهم عذابًا.
(لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) يعني لو قيل للواحد: هل ترغب أن نجعلك في مكان آخر غير مكانك لقال:"لا"، وهذا من نعمة الله على الإنسان أن يقنع الإنسان بما أعطاه الله - - وأن يطمئن ولا يقلق.
)قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف:109)
قوله تعالى: {) قُلْ} أي: يا محمد: {لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا} يعني حبرًا يكتب به (لِكَلِمَاتِ رَبِّي)
(لَنَفِدَ الْبَحْرُ) قبل أن تنفد كلمات الله - -، لأنه المدبر لكل الأمور، وبكلمة {كن} لا نَفاد لكلامه - -، بل أن في الآية الأخرى {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ} ، أي: لو كان أقلامًا) وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) (لقمان:27) . لَنَفِد البحر وتكسرت الأقلام وكلمات الله - جلَّ وعلا - باقية.
(وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) يعني زيادة، فإن كلمات الله لا تنفد، وفي هذا نص صريح على إثبات كلام الله - -، وكلمات الله - - كونية، وشرعية، أما الشرعية فهو ما أوحاه إلى رسله، وأما الكونية فهي ما قضى به قَدَرهُ) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّس:82) ، وكل شيء بإرادته، إذًا فهو يقول لكل شيء {كُنْ فَيَكُونُ} ، ومن الكلمات الشرعية ما أوحاه - - إلى من دون الرسل، كالكلمات التي أوحاها إلى آدم، فإن آدم عليه الصلاة والسلام، نبي وليس برسول، وقد أمره الله ونهاه، والأمر والنهي كلمات شرعية.
)قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110)
قوله تعالى: {) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ} يعني أعلن للملأ أنك لست ملكًا، وأنك من جنس البشر {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} وذِكر المثلية لتحقيق البشرية، أي: أنه بشر لا يتعدى البشرية، ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام - يغضب كما يغضب الناس، وكان صلى الله عليه وسلم يمرض كما يمرض الناس، وكان يجوع كما يجوع الناس، وكان يعطش كما يعطش الناس، وكان يتوقى الحر كما يتوقاها الناس، وكان يتوقى سهام القتال كما يتوقاها الناس، وكان ينسى كما ينسى الناس، كل الطبيعة البشرية ثابتة للرسول - عليه الصلاة والسلام - وكان له ظِلٌ كما يكون للناس.
أمّا من زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نُورَاني، ليس له ظل فهذا كذب بلا شك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر له ظل ويستظل أيضًا، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له ظل، لنقل هذا نقلًا متواترًا؛ لأنه من آيات الله - - إذًا الرسول صلى الله عليه وسلم بشر مثل الناس، وهل يقدر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجلب للناس نفعًا أو ضرًا؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)