وقوله: {لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} أي لا قوة لأحد على شيء إلَّا بالله وهذا يعني تفويض القوة لله، يعني فهو الذي له القوة مطلقًا، القوة جميعًا، فهذه الجنة ما صارت بقوتك أنت ولا بمشيئتك أنت ولكن بمشيئة الله وقوته، وينبغي للإنسان إذا أعجبه شيء من ماله أن يقول:"ما شاء الله لا قوة إلَّا بالله"حتى يفوض الأمر إلى الله لا إلى حوله وقوته، وقد جاء في الأثر أن من قال ذلك في شيء يعجبه من ماله فإنه لن يرى فيه مكروهًا.
قوله تعالى: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا) .
(إِن) شرطية وفعل الشرط ترى والنون للوقاية والياء محذوفة للتخفيف والأصل"ترني".
(أَنَا) ضمير فصل لا محلَّ له من الإعراب.
(أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا) أي إن احتقرتني لكوني أقل منك مالا وأقل منك ولدا ولست مثلك في عزَّة النفر.
)فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) (الكهف:40)
قوله تعالى: {) فَعَسَى رَبِّي} هذه الجملة هي جواب الشرط. وهل هي للترجي أم للتوقع؟
الجواب: فيها احتمالان:
الأول: أنها للترجي وأن هذا دعا أن يؤتيه الله خيرًا من جنته وأن ينْزل عليها حسبانًا من السماء؛ لأنه احتقره واستذله فدعا عليه بمثل ما فعل به من الظلم، ولا حرج على الإنسان أن يَدعوَ على ظالمه بمثل ما ظلمه، ويحتمل أنه دعا عليه من أجل أن يعرف هذا المفتخر ربه ويدعَ الإعجاب بالمال وهذا من مصلحته. فكأنه دعا أن يؤتيه الله ما يستأثر به عليه، وأن يتلف هذه الجنة حتى يعرف هذا الذي افتخر بجنته وعزة نفره أن الأمر أمر الله، فكأنه دعا عليه بما يضره لمصلحة هي أعظم. فكون الإنسان يعرف نفسه ويرجع إلى ربه خير له من أن يفخر بماله ويعتز به، هذا إذا جعلنا عسى للترجي.
الثاني: أن تكون عسى للتوقع، والمعنى أنك إن كنت ترى هذا فإنه يُتَوقع أن الله تعالى يُزيل عني ما عبتني به ويزيل عنك ما تفتخر به، وأيًا كان فالأمر وقع إما استجابة لدعائه وإما تحقيقًا لتوقعه.
(وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) والمراد بالحسبان هنا ما يدمرها من صواعق أو غيرها.
وقوله: {مِنَ السَّمَاءِ} خصَّ السماء لأن ما جاء من الأرض قد يدافع، يعني لو نفرض أنه جاءت أمطار وسيول جارفة أو نيران محرقة تسعى وتحرق ما أمامها، يمكن أن تُدافع، لكن ما نزل من السماء يصعب دفعه أو يتعذر.
(فَتُصْبِحَ صَعِيدًا) أي تصبح لا نبات فيها.
(زَلَقًا) يعني قد غمرتها المياه.
)أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) (الكهف:41)
قوله تعالى: {) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا} فلا يوجد فيها ماء.
و {غَوْرًا} بمعنى غائر فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، فدعا دعوة يكون فيها زوال هذه الجنة إمَّا بماء يغرقها حتى تصبح {صَعِيدًا زَلَقًا} ، وإما بغور لا سُقيا معه لقوله: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} وكلا الأمرين تدمير وخراب. فالفيضانات تدمر المحصول، وغور الماء حتى لا يستطيع أن يطلبه لبعده في قاع الأرض أيضًا يدمر المحصول، فماذا كان بعد هذا الدعاء أو هذا التوقع؟
)وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) (الكهف:42)
قوله تعالى: {) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أي بثمر صاحب الجنتين فهلكت الجنتان.
(فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ) من الندم، وذلك أن الإنسان إذا ندم يقلب كفيه على ما قد حصل.
(عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا) وهذا يدل على أنه أنفق فيها شيئًا كثيرًا.
(وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) أي هامدة على عروشها. و {عُرُوشِهَا} جمع عرش أو عريش وهو ما يوضع لتمدد عليه أغصان الأعناب وغيرها.
(وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) ولكن الندم بعد فوات الأوان لا ينفع، إنما ينتفع من سمع القصة، أما من وقعت عليه فلا ينفعه الندم لأنه قد فات الأوان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)