«وكانوا يعني المعتزلة من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين» [11] ؛
ولذلك تراهم ينقلون الخلاف فيما أجمع عليه السلف، وينقلون الإجماع فيما اختلفوا
فيه، وقد يكون للسلف في تفسير الآية قولان، وهذا كما تقدم إجماع منهم على عدم
جواز الزيادة، فيأتي هؤلاء بأقوال أخرى، فيخرقون الإجماع.
ولشيخ الإسلام تحريرٌ بالغُ الأهمية لهذه القضية؛ حيث قرر أن معرفة أقوال
السلف وأعمالِهم، خيرٌ وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم، فقال:
«ومعرفةُ إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين، خيرٌ وأنفعُ من معرفة ما يذكر
من إجماع غيرهم ونزاعهم؛ وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا
تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلبُ الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم
بخطأ قولٍ من أقوالهم حتى يعرفَ دلالة الكتاب والسنة على خلافه» [12] .
«وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتَهم وسلوكَ سبيلهم، ولا لهم خبرة
بأقوالهم وأفعالهم، بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا يعرفون
طريق الصحابة والتابعين في ذلك، من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف،
فهؤلاء تجد عُمدتَهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عما يظنونه من
الإجماع، وهم لا يعرفون في ذلك أقوالَ السلف البتة، أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا
سائرها؛ فتارة يحلُّون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف
المتأخرين ... وتارة عرفوا بعض أقوال السلف يحكون إجماعًا ونزاعًا ولا يعرفون
ما قال السلف في ذلك البتة، بل قد يكون قول السلف خارجًا عن أقوالهم، وهم إذا
ذكروا إجماعَ المسلمين لم يكن لهم علم بهذا الإجماع؛ فإنه لو أمكن العلم بإجماع
المسلمين لم يكن هؤلاء من أهل العلم به؛ لعدم علمهم بأقوال السلف؛ فكيف إذا كان
المسلمون يتعذر القطع بإجماعهم في مسائل النزاع، بخلاف السلف؛ فإنه يمكن
العلم بإجماعهم كثيرًا» [13] .
الثاني: كونُهم يعتقدون أشياءَ باطلة ثم يحملون القرآن عليها، ولو كان
مخالفًا لما أجمع عليه السلف، فيقعون في المخالفة اتباعًا لبدعتهم، وتحكيمًا لهواهم.
يقول الشاطبي: «وكثيرًا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب
والسنة، يحمِّلونهما مذاهبهم، ويُغَبِّرون بمشتبهاتهما على العامة، ويظنون أنهم على
شيء؛ فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به؛ فهو أحرى بالصواب، وأَقْوَمُ في العلم
والعمل» [14] .
الثالث: تفسير القرآن بمجرد اللغة، من غير نظر إلى المتكلِّم بالقرآن،
والمُنَزَّلِ عليه، والمخاطَب به.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذين السببين أعنى الثاني والثالث هما
أكثرُ ما يُوقع من يفسر بالرأي والنظر في الخطأ في تفسير كتاب الله؛ لأن الأوَّلِين
راعَوُا المعنى الذي رأوه، من غير نظرٍ إلى ما تستحق ألفاظ القرآن من الدلالة
والبيان، والآخرين راعَوا مجرد اللفظ، وما يجوز أن يُراد به في لسان العرب،
دون أن ينظروا إلى ما يصلح للمتكلم به، ولسياق الكلام [15] .
ثم بين رحمه الله أن الأوَّلين تارة يسلبون لفظَ القرآن ما دلَّ عليه وأُريد به،
وتارةً يَحْمِلونه على ما لم يدلَّ عليه ولم يُرَد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما
قصدوا نفيَه أو إثباته من المعنى باطلًا؛ فيكون خطؤُهم في الدليل والمدلول؛ وذلك
مثلُ كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء وغيرهم، ممن يفسرون القرآن بمعان
صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها [16] .
قال رحمه الله: «فالذين أخطؤوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل
البدع اعتقدوا مذهبًا يخالف الحقَّ الذي عليه الأمةُ الوسَط الذين لا يجتمعون على
ضلالةٍ كسلف الأمة وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم، تارة
يستدلون بآيات على مذهبهم، ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يُخالف مذهبهم بما
يحرفون به الكلمَ عن مواضعه. ومن هؤلاء فرقُ الخوارج و الروافض و الجهمية
والمعتزلة و القدرية و المُرجئة، وغيرهم. وهذا كالمعتزلة مثلًا فإنهم من أعظم
الناس كلامًا وجدالًا، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم» [17] .
ثم قال: «والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيًا ثم حملوا ألفاظَ القرآن عليه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)