وقد ورد في غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا: أنت تنازع عليًا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني أعلم أنه9 خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلومًا وأنا إبن عمه، وأنا أطلب بدمه وأمره إلي، فقولوا له فليسلم إلي قتلة عثمان وأنا أسلم له أمره."السير [3/ 140] ، البداية [8/ 132] ."
وقال جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي الى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: (( أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك أنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم
"البداية [8/ 133] ".
قال ابن عبد البر: (( وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: (( ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال: دعني عنك ) )"الإستيعاب [3/ 1108] ."
وأما ما وقع بينهما فقد كان بتاويل واجتهاد من معاوية رضي الله عنه وأهل السنة يعتقدون أنه مخطىء في ذلك كما تقدم، ولكن هذا لا يسوغ تلفيق وصياغة أكاذيب وافتراءات في سيرته تحط من قدره وتشوه مقامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والذي ورد في صحيح مسلم ليس فيه ما افتراه عليه هؤلاء، وهاك نصه وأقوال العلماء فيه:
عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن ابي سفيان سعدًا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب الي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له، خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، الا أنه لا نبوة بعدي ) )
وسمعته يقول يوم خيبر: (( لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) )قال: فتطاولنا لها، فقال: (( ادعوا لي عليًا ) )فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية اليه ففتح الله عليه،
ولما نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} (آل عمران:61) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: (( اللهم هؤلاء أهلي ) )"مسلم". وليس في هذا الأثر الصحيح التصريح لا من قريب ولا من بعيد أن معاوية سب أو أمر بسب علي. واستمع أخي القارىء لما قاله العلماء في شرح هذا الأثر لترى كيف يحسنون هذا الظن ويحملون ماورد من الصحابة مما يقد يفهم منه القدح فيهم محملًا حسنًا لا كما يفعله المصطادون في الماء العكر والمتمسكون بما تشابه من النصوص ليقعوا في أعراض الصحابة فبئس ما يفعلون.
قال النووي: (( قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي يجب تأويلها قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا
بسبه وإنما سأله عن السبب المانع له من السب كأنه يقول له هل امتنعت تورعًا أو خوفًا أو غير ذلك
فإن كان تورعًا وإجلالًا له عن السب فأنت مصيب محسن وإن كان غير ذلك فله جواب آخر ولعل سعدًا كان في طائفة يسبون، فلم يسب معهم وعجز عن الانكار وأنكر عليهم فسأله هذا السؤال، قالوا: ويحتمل تأويل آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه خطأ ))"شرح مسلم [15/ 175 - 176] ."
وقال القرطبي: وأما معاوية فحاشاه من ذلك لما كان عليه من الصحبة والدين والفضل وكرم الأخلاق وما يذكر عنه من ذلك فكذب وأصح ما في ذلك قوله لسعد هذا وتأويله ما ذكره عياض وقد كان معاوية معترفًا بفضل علي وعظيم قدره ))"شرح مسلم".
هذا ما فاهو به في حق معاوية رضي الله عنه متاجهلين معرضين عن كل ما ورد من فضائله إذ هو خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين.
وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللهم اجعله هاديًا مهديًا اهد به ) )"رواه أحمد وهو صحيح"
وبعد هذا هل يرد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستجاب له؟ كلا وألف كلا، لذلك علمنا يقينًا أن معاوية كان هاديًا مهديًا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)