فأقول: مع بطلان هذا الكلام، ـ وسيأتي تفنيده ـ ليس صريحا أنه شيخه، أو أخذ عنه، ولم أجد أحدا ممن ترجم لابن كلاب، ولا للبخاري ذكر ما زعمت.
ولو كان تلميذا له لتوجت بها ترجمته،
ومعلوم أن مذهب البخاري، ومنهجه ينافي أن يجالس مثل ابن كلاب، أو يتتلمذ عليه،
ولو فعل ـ وحاشاه ـ لما سَلِمَ من كلام أئمة الحديث، فقد كانوا ينكرون على من جالس أهل الرأي! وكلامهم مشهور، فكيف بمن جالس رؤوس أهل البدع!.
ومما يدل أيضا على عدم فهمك لكلام ابن حجر عدم التفاتك لما قبله، وبعده؛ فكلام ابن حجر جاء في معرض الرد على الكرماني في تهجمه على البخاري في أنه لا يراعي حسن الترتيب ... الخ
فقال: مع أن البخاري في جميع ما يورده من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل ذلك الفن كأبي عبيدة، والنضر بن شميل، والفراء، وغيرهم، وأما المباحث الفقهيه فغالبها مستمدة له من الشافعي وأبي عبيد، وأمثالهما، وأما المسائل الكلامية .. الخ
ومعلوم أن أبا عبيدة والنضر، والفراء، والشافعي، ليسوا من شيوخ البخاري،
فبطل بذلك احتجاجك بهذا النقل، مع ما فيه من علات.
ثم فزع محمود بالنقل (المنتقى) لإثبات إمامة الكرابيسي، وأن مذهبه حق، وأنه كالبخاري الخ
فقال [محمود] : قال ابن عبد البر في الانتقاء:وكانت بينه [الكرابيسي] وبين أحمد بن حنبل صداقة وكيدة .. الخ
قال السديس: لماذا لم تكمل النقل المتصل به، وهو:
وحكى داود في كتاب الكافي: أن هذا كان مذهب الشافعي، وأنكر ذلك أصحاب الشافعي وقالوا: هذا قول فاسد ما قاله الشافعي قط!.
أو نقلتَ ما اشتهيت، وتركت الذي عليك!.
ثم أقول: ما ذكر ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ من أن بين أحمد، والكرابيسي: صداقة وكيدة .. الخ = فيه نظر، وخذ ما ينقضه:
قال ابن عدي في الكامل 2/ 365:
حدثنا بن أبي عصمة ثنا أحمد بن أبي يحيى قال: سمعت أبا نصر بن عبد المجيد يسأل أحمد بن حنبل، فقال: تعرف حسين الكرابيسي؟
فقال: لا أعرفه عافاك الله، فقال: يا أبا عبد الله يزعم أنه كان يناظرك عند الشافعي، وكان معكم عند يعقوب بن إبراهيم بن سعد! فقال: لا أعرفه بالحديث، ولا بغيره.
السنة لعبدالله بن أحمد 1/ 165:
سمعت أبي يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق هذا كلام سوء رديء، وهو كلام الجهمية، قال له إن الكرابيسي يقول: هذا فقال: كذب هتكه الله الخبيث، وقال: قد خلف هذا بشرا المريسي، وكان أبي رحمه الله: يكره أن يتكلم في اللفظ بشيء أو يقال مخلوق، أو غير مخلوق.
قال سألته عن الكرابيسي حسين هل رأيته يطلب الحديث؟ فقال: ما أعرفه، وما رأيته يطلب الحديث.
قلت: فرأيته عند الشافعي ببغداد؟
فقال: ما رأيته ولا أعرفه.
فقلت: إنه يزعم أنه كان يلزم يعقوب بن إبراهيم بن سعد؟
فقال: ما رأيته عند يعقوب بن إبراهيم، ولا غيره، وما أعرفه.
* سألت أبا ثور إبراهيم بن خالد الكلبي عن حسين الكرابيسي، فتكلم فيه بكلام سوء رديء
، وسألته هل كان يحضر معكم عند الشافعي ـ رحمه الله ـ فقال: هو يقول لنا ذلك، وأما أنا فلا أعرف ذلك، أو نحو هذا من الكلام.
* قال: وسألت الحسن بن محمد الزعفراني عن حسين الكرابيسي؟
فقال: نحو مقالة أبي ثور
، وقال لي حسن في اختلافه إلى الشافعي ـ رحمه الله ـ مثل قول أبي ثور. اهـ
قلت: هل يكفيك هذا لإبطال هذا الزعم؟!
ثم قال محمود: انظر لقول ابن عبد البر (( وطبقاتهم ) )، فطائفة كبيرة من أهل الحديث كانوا على طريقة الكرابيسي.
قال السديس: ما دام أنك استحسنت هذا الكلام، وترى صحته، وأنا أزعم أنه باطل، فهل تستطيع أن تسمي لنا هذه الطائفة من أهل الحديث! التي تزعم، أو بعضها!
بل الذي في كتب العقيدة، والتأريخ، والتراجم أن أهل الحديث تركوا الكرابيسي، وهجروه، وبدعوه .. ! وقد اطلعتَ على: هذه العبارة في الميزان واللسان: (ومقت الناس حسينا ـ الكرابيسي ـ) ؛ لأنك نقلت ما قبلها وتركتها.
وهذا تجاهلته، أو جهلته، ولو كان ما فهمتَه حقا لمقت الناس طائفة كبيرة من أهل الحديث!!.
وخذ هذا النقل:
قال ابن حجر في الفتح 13/ 492:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)