لم يشر ابن الأثير -كما نرى- إلى قول الحاكم، وإنما ذكر قولًا واحدًا وهو أن أبا عبيدة سبق معاصره النضر بن شميل إلى التأليف في غريب الحديث وأكد ذلك باستعمال كلمتين:"ثم"و"بعده". ولم يكن افتتاح ابن الأثير كلامه هنا بلفظة"قيل"للتضعيف، فإنه لم يشر البتة إلى قول آخر يرجحه في هذه المسألة، وإنما كان سبيله سبيل من يجد بين يديه قولين أو أكثر، فيختار منهما ما يستحسنه ويميل إليه، وإن كان لا يملك حجة قاطعة عليه.
(1) نزهة الألباء: 75
(2) سير أعلام النبلاء 9: 331.
(3) النهاية 1: 5.
وبالجملة فهما قولان مأثوران في هذه المسألة أشهرهما ما اختاره ابن الأثير"ويكاد الإجماع ينعقد عليه"كما يقول الدكتور محمود الطناحي (1) .
ولكن الدكتور حسين نصار ذهب إلى رأي ثالث وهو أن أول كتاب في هذا الفن ألَّفه أبو عدنان السلمي، ونسب ذلك إلى صاحب (( الفهرست ) )، فقال:"عزا أكثر الباحثين الكتاب الأول في غريب الحديث إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى (210هـ) تبعًا لابن الأثير. ولكن هذا القول يجب ألا يؤخذ قضية مسلمة، فقد نسب ابن النديم الكتاب الأول من هذا النوع إلى أبي عدنان عبدالرحمن بن عبدالأعلى". ثم نقل ما جاء في الفهرست:"وله… كتاب غريب الحديث، وترجمته (ما جاء من الحديث المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مفسرًا) ، وعلى إثره ما فسر العلماء من السلف" (2) .
وأيد ما فهمه من كلام ابن النديم بأن أبا عدنان"راوية لأبي البيداء الرياحي، وهو معاصر ليونس بن حبيب، أستاذ أبي عبيدة، فأبو عدنان إذن وأبو عبيدة متعاصران، ومن المحتمل أن يسبق أحدهما الآخر في التأليف في غريب الحديث، ولكن إذا كان لنا أن نعتمد على مؤرخ، فالأجدر بالترجيح ابن النديم؛ لأنه أقدمهم وأقربهم إلى عصر هؤلاء المؤرَّخ لهم، فنقدم بذلك أبا عدنان على أبي عبيدة".
لم يصرح ابن النديم بأن أبا عدنان أول من ألف في غريب الحديث، ولكن الدكتور حسين نصار تأول كلامه على هذا، وذلك أنه زعم أن عنوان كتاب أبي عدنان:"ما جاء من الحديث المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مفسرًا" (3) ، أما الجملة التي بعدها فهي كلام مستأنف، و"ما"في قوله"ما فسر"زائدة، وقصد به ابن النديم أن العلماء من السلف إنما فسروا غريب الحديث بعد أبي عدنان. وهذا التأويل لكلام ابن النديم يبدو صحيحًا لأول وهلة. ولكن يضعفه أمور منها:
(1) في اللغة والأدب 1: 397.
(2) الفهرست: 51.
(3) المعجم العربي 1: 42 - 43.
لو قصد ابن النديم ما ذهب إليه حسين نصار لما كان لقوله"من السلف"وجه من الكلام، ولكان لغوًا من القول.
نقل جمال الدين القفطي (624هـ) ترجمة أبي عدنان عن الفهرست، وأورد عنوان كتابه على هذا الوجه:".. وترجمته: ما جاء من الحديث المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مفسرًا على ما فسر العلماء" (1) . وهذا يدل على أن الجملة التي فصلها الدكتور حسين نصار يراها القفطي جزءًا من عنوان الكتاب.
صحيح أن أبا عدنان معاصر لأبي عبيدة، ولكن عداده في أصحابه، فقد نص الصفدي في ترجمته على أنه"أخذ عن أبي زيد الأنصاري، وأبي عبيدة، والأصمعي وطبقتهم" (2) . وكذلك ذكر القفطي في ترجمة شمر بن حمدويه الهروي (255هـ) أنه لقي جماعة من أصحاب أبي عمرو الشيباني وأبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة والفراء، ثم عدَّ منهم: الرياشي (257هـ) وأبا نصر (231هـ) وسلمة بن عاصم (270هـ) وأبا عدنان (3) . وذكره أبو الطيب اللغوي مع أبي عكرمة الضبي صاحب كتاب الخيل (250هـ) وقال:"وقد روى أبو عدنان عن أبي زيد كتبه كلها" (4) .
فالظاهر أن ما ورد في الفهرست إلى قوله"العلماء من السلف"هو العنوان الكامل لكتاب أبي عدنان، ومعناه أنه أورد في كتابه أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأتبعها بما فسرها به العلماء من السلف. ولعل في نص الفهرست شيئًا من الخلل يدل عليه ما نقله القفطي في كتاب الإنباه.
وقد أفضت الكلام في هذه المسألة لأمرين: أولهما أني لم أقف على مناقشة لهذا الرأي، والآخر أني ألفيت أحد الباحثين قد تأثر به، فافتتح الفصل الذي عقده في كتابه لإحصاء معاجم غريب الحديث بكتاب أبي عدنان السلمي (5) .
(1) إنباه الرواة 4: 148، وفيه:"في الحديث"، و"نشر"تحريف.
(2) الوافي 18: 156.
(3) إنباه الرواة 2: 77.