(4) مراتب النحويين: 144.
(5) معجم المعاجم: 23.
(2) الغرائب المشهورات ومناهجها
منذ أن ظهرت الكتب الأولى في غريب الحديث على أيدي علماء اللغة، لم تنقطع سلسلة التأليف في هذا الفن، فلم يخل عصر من العصور من الجامعين فيه. وقد بلغ عدد مصنفات غريب الحديث فيما أحصاه أحد الباحثين نحو 90 كتابًا، مع أنه قد فاته ذكر بعض الكتب التي وصلت إلينا فضلًا عن غيرها (1) .وقد تنوعت مناهج المؤلفين في ترتيب كتبهم وتفسير الغريب، أشير إليها في السطور الآتية بإيجاز، مع الإلماع في غضون ذلك إلى مكانتها:
منهج اللغويين الأوائل
وهو المنهج الذي اتبعه أبو عبيدة وغيره من علماء اللغة في القرنين الثاني والثالث، فكانوا يوردون الأحاديث دون ذكر أسانيدها، ثم يفسرون غريب ما فيها باختصار أو شيء من البسط (2) .
منهج أبي عدنان
كان أبو عدنان من أصحاب أبي عبيدة وأبي زيد وطبقتهما كما سبق، لكنه اختار لكتابه في غريب الحديث منهجًا جديدًا، فرتَّب كتابه على أبواب السنن والفقه وذكر فيه الأسانيد أيضًا، كما وصفه ابن درستويه.
منهج أبي عبيد
لما ألف أبو عبيد القاسم بن سلام (224هـ) كتابه الحافل وجمع فيه ما تفَّرق في كتب أبي عبيدة والأصمعي وغيرهما، وأضاف إليه أحاديث وآثارًا كثيرة أوردها مع أسانيدها. قدم أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأتبعها آثار الصحابة ثم التابعين، جامعًا آثار كل منهم في مكان واحد. وامتاز تفسيره"بصحة المعنى وجودة الاستنباط وكثرة الفقه" (3) . فصار كتابه قدوة"لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة، والمعاني اللطيفة والفوائد الجمة" (4) .
(1) المرجع السابق: 23 - 41.
(2) انظر ما سبق من كلام ابن درستويه في الفقرة السابقة، ومقدمة غريب الخطابي 1: 49 - 50.
(3) غريب الحديث للخطابي 1: 50.
(4) النهاية في غريب الحديث والأثر 1: 6.
وحذا حذوه في هذا المنهج ابن قتيبة (276هـ) الذي تتبع ما فات أبا عبيد، فاستدرك عليه في كتابه المشهور، وكذلك أبو محمد قاسم بن ثابت العوفي السرقسطي (302هـ) في الأندلس، وأبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (388هـ) في المشرق، وكلاهما استدرك على ابن قتيبة، ولم يطلع الثاني على كتاب الأول.
وهذه الكتب الأربعة هي أمهات هذا الفن، وإن لم يشتهر كتاب العوفي -مع علو منزلته- في بلاد المشرق، لتأخر وصوله إليها.
وقد دارت حول هذه الأصول الجليلة مؤلفات كثيرة لشرحها أو اختصارها، أو ترتيبها، أو إصلاح غلطها، أو الانتصار لها، أو تفسير شواهدها، أو جمعها وتلخيصها في كتاب واحد.
منهج إبراهيم الحربي
انتهج أبو إسحاق إبراهيم الحربي (285هـ) في كتابه منهجًا بديعًا إذ أراد أن يجمع فيه بين نظام المسانيد عند علماء الحديث ونظام التقاليب الذي اخترعه الخليل بن أحمد (175هـ) ، فلم يسلم له هذا ولا ذاك. فإذا ذكر حديثًا من أحاديث صاحب المسند، ليفسر الكلمة الغريبة التي ورد فيها، أتبعه أحاديث من المسانيد الأخرى، وردت فيها ألفاظ من مادة الكلمة الأولى، وقد يقلب المادة ولا يكون في بعض تقاليبها حديث أو أثر، ولكنه يفسر ألفاظًا لغوية من تلك التقاليب (1) .
ثم أفاض في تفسير غريب الحديث وشرحه وأكثر من الاستشهاد، وأسند رواياته عن علماء اللغة وغيرهم،"فطال بذلك كتابه، وبسبب طوله ترك وهجر، وإن كان كثير الفوائد جم المنافع، فإن الرجل كان إمامًا حافظًا متفننًا عارفًا بالفقه والحديث واللغة والأدب" (2) .
وما وصل إلينا من كتاب الحربي شاهد بصحة ما وصفه به ابن الأثير.
منهج الهروي
(1) انظر تفصيل هذه الخلاصة في مقدمة المحقق لغريبه 1: 92 - 96.
(2) النهاية 1: 6.
كان أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي (401هـ) صاحب الأزهري (370هـ) معاصرًا للخطابي (388هـ) . وهو أول من جمع في كتابه بين غريب القرآن وغريب الحديث، ولعل فكرة الجمع هي التي هدته إلى منهج جديد ميسر لترتيب كتابه، فاستخرج الألفاظ الغريبة من الأحاديث ورتبها على أصول حروفها بادئًا بالحرف الأول ملتزمًا بالثاني ثم الثالث إلا إذا خاف في كلمة ألا يفرق طلبة الحديث بين الحرف الأصلي والحرف الزائد فيها، فأثبتها في باب الحرف الأول منها وإن كان زائدًا. ثم كان شرطه الاختصار فحذف الأسانيد وقلل الشواهد، وأوجز التفسير،"فانتشر كتابه بهذا التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار وصار هو العمدة في غريب"