ظهرت الكتب الأولى في غريب الحديث في القرن الثاني الهجري، ولكن من السابق إلى التأليف فيه؟ لم يجزم في ذلك أبو محمد عبدالله بن جعفر المعروف بابن درستويه (347هـ) حينما تحدث عن كتب غريب الحديث فقال:
"وكتاب غريب الحديث أول من عمله أبو عبيدة معمر بن المثنى، وقطرب، والأخفش، والنضر بن شميل، ولم يأتوا بالأسانيد، وعمل أبو عدنان النحوي البصري كتابًا في غريب الحديث ذكر فيه الأسانيد… فجمع أبو عبيد عامة ما في كتبهم…" (2) .
(1) ومنها رسالة ماجستير بعنوان"دراسات في غريب الحديث"أعدها الأستاذ بدر الزمان النيبالي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1407هـ. ومنها رسالة أعدها إبراهيم يوسف في دار العلوم بالقاهرة بعنوان"غريب الحديث حتى نهاية القرن السادس، ذكرها محقق غريب الحربي في مراجعه 3: 1409."
(2) تاريخ بغداد 12: 403، وانظر الإنباه 3: 14.
فجعل ابن درستويه العلماء الأربعة بل الخمسة في قرن واحد، ولم يصرح بسبق بعضهم بعضًا، وإن استهل كلامه بذكر أبي عبيدة معمر بن المثنى؛ خلافًا لحديثه فيما بعد عن غريب القرآن إذ صَرَّح فيه بأن"أول من صنف في ذلك من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنى، ثم قطرب بن المستنير، ثم الأخفش…". ولكن الحافظ أبا عبدالله الحاكم النيسابوري (405هـ) قال جازمًا:"فأول مَنْ صنَّف الغريب في الإسلام النضر بن شميل (203هـ) له فيه كتاب، هو عندنا بلا سماع. ثم صنف فيه أبو عبيد القاسم بن سلام" (1) . نقل أبو عمرو بن الصلاح (643هـ) قول الحاكم في مقدمته، ثم عقب عليه:"ومنهم من خالفه، فقال: أول من صنف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى" (2) .
وقد أيد شمس الدين السخاوي (902هـ) في (( فتح المغيث ) )قول الحاكم، فقال:"وهو الظاهر"، واستدل بأن النضر بن شميل"مات في سنة ثلاث وثمانين ومائة"ثم أكد ذلك حينما نعى على ابن الأثير (606هـ) والمحب الطبري (694هـ) ذهابهما إلى القول الثاني"مع أن وفاته -يعني أبا عبيدة- كانت في سنة عشر ومائتين بعد الأول -يعني النضر- بسبع وعشرين عامًا" (3) .
(1) معرفة علوم الحديث: 88. وعليه اقتصر السيوطي في كتاب الوسائل في مسامرة الأوائل: 101.
(2) علوم الحديث: 273. لخص السيوطي في آخر المزهر 2: 295 - 414 كتاب مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي (351هـ) وجاء في ضمن ترجمة أبي عبيدة (2: 402) :"وهو أول من ألف في غريب الحديث"والسياق يدل على أن ذلك من كلام أبي الطيب مثل سابقه ولاحقه، ولكن هذه الجملة ليست في الكتاب المطبوع بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
(3) فتح المغيث 4: 24. كذا في المطبوع"بسبع"والصواب: بسبعة.
ولا ريب أن ما قاله السخاوي وهم محض، فلا خلاف بين المؤرخين أن النضر بن شميل توفي سنة 203هـ وقيل سنة 204هـ (1) . ولا حقيقة لهذا القيل إلا أنه"مات في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، ودفن في أول المحرم" (2) ، فقال بعضهم إنه توفي سنة 204هـ. أما أنه توفي سنة 183هـ قبل وفاة أبي عبيدة (210هـ) بسبعة وعشرين عامًا، فلم يقل بذلك أحد قبل السخاوي ولا بعده. ثم ولد أبو عبيدة سنة 110هـ، وولد النضر في حدود سنة 122هـ فأولهما أقدم من الثاني باثني عشر عامًا. ولكن ليس في شيء من ذلك حجة على كون أحدهما سابقًا والآخر مسبوقًا في تأليف غريب الحديث، فإنهما على كل حال عاشا ثمانين سنة في زمن واحد.
والقول الثاني الذي ذكره ابن الصلاح هو الذي عَوَّل عليه ابن الأثير الجزري (606هـ) ، في مقدمة النهاية فقال:".. فقيل إن أول من جمع في هذا الفن شيئًا وألف أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابًا صغيرًا ذا أوراق معدودات… ثم جمع أبو الحسن النضر ابن شميل المازني بعده كتابًا في غريب الحديث أكبر من كتاب أبي عبيدة، وشرح فيه وبسط على صغر حجمه ولطفه، ثم جمع عبدالملك بن قريب الأصمعي…" (3) .