ومن مناهج التأليف في علم غريب الحديث كتب الاستدراك على المتقدمين وإصلاح الغلط الذي جرى على مصنفاتهم. ومن هذه المصنفات كتاب لُغْذة الأصبهاني (1) الحسن بن عبدالله المتوفى سنة 280ه في"الرد على أبي عُبَيْد في غريب الحديث"، وكتاب"التنبيه على الألفاظ التي وقع في نقلها وضبطها تصحيف وخطأ في كتاب الغريبين (2) "لأبي الفضل محمد بن ناصر (3) المتوفى سنة 550ه.
وكتب المختصرات والتهذيب وإعادة الترتيب ضرب من ضروب التأليف في علم غريب الحديث. ومن هذه المؤلفات"تقريب المرام في غريب القاسم بن سلام"للمحبِّ الطبري (4) المتوفى سنة 694ه، و"تهذيب غريب الحديث"ليحيى ابن علي التبريزي (5) المتوفى سنة 502ه، و"مختصر الغريبين"لمجد الدين أبي المكارم علي بن محمد (6) المتوفى سنة 561ه.
ومن مناهج التأليف شرح غريب حديث معيَّن، أو غريب كتاب معيَّن من كتب الحديث. ومن ذلك كتاب"شرح حديث أم زَرْع"لإسماعيل بن أبي أويس (7) المتوفى سنة 226ه، ولأحمد بن عبيد أبي جعفر النحوي (8) المتوفى سنة 278ه.
(1) انظر: معجم الأدباء: 2/ 873، البغية: 1/ 509.
(2) انظر: هدية العارفين: 2/ 93، ومعاجم غريب الحديث والأثر: ص / 75.
(3) انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ: 4/ 1289، والبداية والنهاية: 16/ 374.
(4) انظر: معاجم غريب الحديث والأثر: ص / 78.
(5) انظر: معاجم غريب الحديث والأثر: ص/ 77.
(6) انظر: البغية: 2/ 201، وكشف الظنون: 2/ 1209.
(7) فتح الباري: 9/ 164، وانظر: سير أعلام النبلاء: 10/ 395.
(8) فتح الباري: 9/ 164، وانظر: بغية الوعاة: 1/ 333.
وقد خصَّص الحافظ ابن حجر الفصل الخامس من مقدمة"فتح الباري"للألفاظ الغريبة في صحيح البخاري، ورتَّبها على حروف المعجم (1) ، كما خصَّص ابنُ الصَّلاح النوع الثاني والثلاثين من"مقدمة في علوم الحديث"للغريب (2) ، وقال في تعريفه:"هو عبارة عمَّا وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم لقلة استعمالها"
ومن المناهج التي نلقاها في شرح الغريب تفسير الأحاديث الطويلة المأثورة ويمثلها كتاب"منال الطالب في شرح طوال الغرائب"لابن الأثير.
تمهيد: لمحات عن علم غريب الحديث
متى نشأ علم غريب الحديث؟ وكيف كانت عناية أهل العلم به؟ وما أهم المصنفات فيه، وما وجوه التماثل والتفاضل فيما بينها؟ قد أبدع القول في هذا الموضوع من علمائنا المتقدمين: أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (388هـ) ثم مجد الدين بن الأثير الجزري (606هـ) ، فكلاهما كتب في مقدمة غريبه فصولًا بليغة أرَّخ فيها علم غريب الحديث ذاكرًا أهم الكتب التي ألفت فيه إلى زمنه، مبينًا عن مراتبها، وكاشفًا عن خصائصها التي ينفرد بها بعضها عن بعض.
أما الباحثون المعاصرون، فلعل أول من أرَّخ هذا العلم منهم هو الدكتور حسين نصار الذي عقد له فصلًا في كتابه"المعجم العربي - نشأته وتطوره"استغرق نحو ثلاث عشرة صفحة (1) .
(1) المعجم العربي 1: 42 - 54. ومن المعلوم أن الكتاب المذكور أصله رسالة علمية نوقشت في 23/ 6/1953م، وطبعت لأول مرة سنة 1956م.
ثم لما عني الدكتور شاكر الفحام بتحقيق كتاب الدلائل في غريب الحديث للعوفي (302هـ) قَّدم بين يديه سلسلة مقالات نفيسة ضافية نشرها في سنتي 1975 و 1976م في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ودرس فيها تاريخ هذا العلم إلى عهد العوفي ومخطوطات كتابه دراسة بارعة متقنة.
وكتب الغريب التي نشرت، تصدَّرتها جميعًا مقدمات عرض فيها محققوها هذا الموضوع حسب طرائقهم في الاختصار أو الإطناب. ثم كتبت فيه بعض الرسائل الجامعية (1) .
ومع كل ذلك، فإن علم غريب الحديث لخليق بأن تقدَّم دراسة تاريخية له في هذه الندوة الكريمة مع عرض شامل لمصنفاته: ما وصل منها وما لم يصل، وما طبع منها ومالم يطبع. ولعل أحد الباحثين المشاركين في هذه الندوة سينهض بتلك الدراسة. أما هذا البحث الذي عُقد للتعريف بكتاب واحد من كتب غريب الحديث المخطوطة، فلا موضع فيه للتفصيل، فأكتفي هنا بالكلام على ثلاث نقاط تكون مدخلًا إلى موضوع البحث.
(1) نشأة علم غريب الحديث