منهج المتقدمين المشار إليه فيما تقدم هو الأسلم الأحكم، لأن طريقة المتأخرين المشار إليها أيضًا وإن كان المتبادر للناظر إليها غير العالم بحقائق هذا الفن أنها أحسن وأدق، فإن ذلك إنما هو بحسب ما يظهر من الأمر لا بحسب حقيقته، وهو واقع من الوجهة النظرية فقط لا من الوجهة العملية التطبيقية، لأنها طريقة توقع أصحابها في التنطع والتكلف وتفشل عند مصادمتها لواقع الأمور، وهي مع ذلك - وهذا أخطر شيء في هذه المسألة - مخالفة في منهجها وكثير من فروعها لطريقة السلف في اصطلاحاتهم، مع أن الواجب متابعتهم في تلك الاصطلاحات وتقليدهم فيها وشرحها كما أرادوها هم لا كما يتمنى المناطقة والمتأخرون، أعني لا كما تقتضيه قواعد هؤلاء.
9 -بيان أسباب وكيفيات انتشار المصطلحات الحديثية:
مصطلحات المحدثين لم تنشرها مجامع علمية ولا عقد لترويجها ندوات جامعة ومحاضرات عامة؛ ورغم ذلك انتشرت هذه المصطلحات بسرعة بين أهلها لثلاثة أسباب:
الأول: أن واضعيها في الغالب كبار الأئمة، والإمام يتبعه غالبًا كثير من الناس في ألفاظه وقواعده وأحكامه.
الثاني: شدة حاجة الناس إليها.
الثالث: شدة قربها في معانيها الاصطلاحية الجديدة من معانيها اللغوية القديمة، وهذا مما يسهل فهم تلك المعاني الجديدة ولا سيما بمعونة السياق والقرائن والمعرفة بعلم الحديث.
10 -بيان شروط جمع وشرح مصطلحات المحدثين؛ وتأكيد ضرورة المعرفة الدقيقة بحقائقها والفرق بين دراستها ودراسة القواعد:
إن الذي يريد شرح مصطلحات فن من فنون العلم أو يجمعها أو يصنف معجمًا لها يجب عليه أن يعلم قبل كل شيء أنه مستقرئ وشارح وموضح ومفسر، وأنه ليس مؤسسًا لاصطلاحات جديدة ولا قائمًا بتحوير أو تطوير أو تغيير أو تبديل أو اقتراح، إذ المطلوب في اصطلاحات العلماء فهم مراداتهم بها أي فهم معانيها كما أرادوها هم، لا التصرف فيها وفي شرحها بما يوافق المشهور أو الجمهور أو الأشهر أو الأكثر أو المنطق أو الهوى.
والاصطلاحات ليست متعلَّقًا للتصويب والتخطئة، ولكن قد يقال: أحسن زيد في اختيار هذا الاصطلاح، ولم يحسن عمرو في اختياره ذاك الاصطلاح، إما لما فيه من غموض أو إيهام أو بعد عن المعنى اللغوي للكلمة أو مخالفة لاصطلاح سائر العلماء قبله أو غير ذلك، وإن كانت مثل هذه العيوب في اصطلاحات القدماء نادرة جدًا بل لعلها معدومة غير موجودة.
وأما الخطأ والصواب فإنما يقعان في القواعد والأحكام.
والحاصل أن المطلوب من الباحث في مصطلحات العلماء فهم مقاصدها، وفي قواعدهم تحرير أدلتها ومعرفة صوابها من خطئها.
إن كثيرًا من عبارات الجرح والتعديل يُعْوِزها التحقيق في معانيها؛ ثم إن كثيرًا من تلك العبارات يختلف معناها من عالم إلى آخر، فمن المهم النافع جدًا معرفة معنى اصطلاح كل عالم عنده، وليس من المهم نقد ذلك الاصطلاح بنحو بيان عدم مطابقته للاصطلاح المشهور أو لاصطلاح الجمهور أو لمقتضى اللغة أو قواعد المنطق، وإن كان بعض التنبيه على ذلك لا يخلو من فائدة.
11 -بيان أنواع دلالات المصطلحات الحديثية:
اللفظة الاصطلاحية لها - حيث وجدت - أحد أربعة معاني، وكما يلي:
الأول: المعنى اللغوي؛ فالكلمة إذا وجدتها في سياق لغوي فهي مستعملة بالمعنى اللغوي، أي الذي وضعها له واضع اللغة، وهو المعنى المذكور ذكرًا أساسيًا في المعاجم اللغوية القديمة.
الثاني: المعنى الشرعي؛ فإذا وجدتها في سياق شرعي أي في العبارات الدينية في أي كلام ملفوظ أو مكتوب: فهي مستعملة بالمعنى الشرعي أي الذي وضعها له الشارع، مثل الصلاة والصوم والزكاة.
الثالث: المعنى الاصطلاحي؛ فإذا وجدت الكلمة في سياق علمي فمعناها اصطلاحي وهو الذي وضعها له أهل ذلك العلم.
الرابع: المعنى العرفي؛ فإذا تبين أن المعنى ليس اصطلاحيًا ولا شرعيًا ولا لغويًا كان معناها عرفيًا، وهو المستعمل عند عامة الناس في ذلك البلد أو المكان.
وينبغي أن يقدم المعنى الذي يدل عليه السياق كما تقدَّمَ، دون سائر المعاني الأخرى.