16 -جعلا اذن مسلم أو وصيته بالكتابة عن الرجل توثيقًا تامًا منه له، وسلفهما في ذلك هو أبو عبد الله الحاكم فإنه روى في (تاريخ نيسابور) له عن ابي حاتم السلمي قال: سألت مسلم بن الحجاج عن الكتابة عن أحمد بن حفص، فقال: نعم؛ ثم قال الحاكم: «هذا رسم مسلم في الثقات الاثبات» (( 7 ) ).
وقال ابن حجر في التهذيب (1/ 12) : «وقال مكي بن عبدان: سألت مسلم بن الحجاج عن أبي الأزهر فقال: أكتب حديثه، قال الحاكم: هذا رسم مسلم في الثقات» (( 8 ) ).
وأقول: إن كان هذا فيه توقيف عن مسلم نفسه فهو اصطلاح له ولا كلام، ولكن يبعد أن يكون مثل هذا توقيفًا، والحاكم لم يذكر توقيفًا والظاهر انه قاله استنباطًا، ثم هو حينئذ إما أن يريد بالثقة: القوي الذي يحتج به، سواء ثقة كان أو صدوقًا، أو يريد به: الثقة مطلقًا؛ ولعله مما يؤيد أن هذا هو مراده توكيده التوثيق بقوله (الثقات الأثبات) .
وعلى احتمال أن هذا هو مراده فدعواه ليست بمسلمة له، ترى لو سئل مسلم عن الكتابة عن راو صدوق حسن الحديث بم كان يجيب سائله؟ بالإيجاب أم المنع أم السكوت؟ ألم يرو مسلم في صحيحه لمئات من الصدوقين الذين لا يرتقون إلى رتبة التوثيق المطلق، ومنهم طائفة من شيوخه؟!
وعلى احتمال أن مراده هو التقوية والاحتجاج فدعوى قريبة ظاهرٌ قربها، ومما لعله يؤيد أن مراد الحاكم الثاني دون الأول هو أنه ليس ممن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الحسن، يسمي النوعين صحيحًا، ولعل مقتضى هذا انه يطلق على الصدوق لفظة (ثقة) ، وهذا المقتضى شبه ظاهر، ولكن الجزم به لا يسوغ الا بعد تتبع مواضع استعمال هاتين اللفظتين عنده وأوجه ورودهما في عباراته.
نعم، إن قول ناقد مثل مسلم لسائله عن بعض الرواة: (أكتب عنه) تعطي معنى زائدًا على معنى قول الناقد في الراوي: (يكتب عنه) أو قوله فيه (يكتب حديثه) ففي الأولى إشعار بتحضيضه السائل أو غيره على الكتابة عنه وبترغيبه فيها، وأن أحاديثه صالحة للاحتجاج بها؛ فلا يصح أن يقال: إن قوله أكتب عنه يحتمل أن يكون مقصوده بالكتابة الحجة أو الاستشهاد فإن هذا الاحتمال الثاني بعيد غير معتبر، وما كان مثل مسلم ليأمر من استفسره عن حال بعض الضعفاء الذين يستشهد بهم بالكتابة عنه ويقتصر في نقده على هذه الكلمة ويغفل التصريح بحقيقة حاله والاشارة إلى جرحه؛ فالراجح أن مسلمًا لا يستعمل هذه العبارة إلا فيمن هو - على الأقل - صدوق محتج به عند علماء الجرح والتعديل؛ هذا هو الراجح، والله تعالى أعلم. وعلى كل حال فلا وجه لما ذهبا إليه في هذه المسألة.
17 -قوّيا بعض الرواة او عضداهم برواية البخاري عنهم خارج الصحيح، وذلك لا يستقيم، قال المعلمي في تخريج الفوائد المجموعة (ص354) في بعض الضعفاء: «وروى له البخاري في الادب المفرد، وليس في ذلك ما يشد منه، لأن البخاري لا يمتنع في غير الصحيح عن الرواية عن الضعفاء، فقد روى عن ابي نعيم النخعي وهو كذاب، وعن الفرياناني وهو كذاب ايضًا» . وانظر التنكيل (ص319 - 323 و 495) .
18 -قالا (1/ 33 - 34) : «أما القاعدة الصحيحة في الموقف من توثيق ابن حبان فهي كما يلي:
1 -ما ذكره في كتابه الثقات وتفرد بالرواية عنه واحد ـ سواء أكان ثقة ام غير ثقة ـ ولم يذكر لفظًا يفهم منه توثيقه، ولم يوثقه غيره فهو يعد مجهول العين 0000
2 -اذا ذكره ابن حبان وحده في الثقات وروى عنه اثنان فهو مجهول الحال.
3 -اذا ذكره ابن حبان وحده في الثقات وروى عنه ثلاثة فهو مقبول في المتابعات والشواهد.
4 -اذا ذكره ابن حبان وحده في الثقات وروى عنه اربعة فاكثر فهو صدوق حسن الحديث (( 9 ) ).
5 -اذا صرح ابن حبان بانه مستقيم الحديث او لفظة اخرى تدل على التوثيق، فمعنى هذا انه فتش حديثه ووجده صحيحا مستقيمًا موافقًا لأحاديث الثقات، فمثل هذا يوثق مثله مثل أي توثيق لواحد من الائمة الكبار لما لابن حبان من المنزلة الرفيعة في الجرح والتعديل» انتهى.